المطارات بدولتي السودان …جوبا تبني .. وبورتسودان تنتظر !!!

المطارات بدولتي السودان …جوبا تبني .. وبورتسودان تنتظر !!!

مصطفى سليمان

في عالم الطيران المدني، لا تُقاس قوة المطارات بحجم مدارجها فقط، وإنما بقدرتها على استيعاب النمو، وتقديم خدمات تليق بالمسافرين، واستشراف احتياجات المستقبل قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن هذا المنطلق، تبدو الخطوة التي اتخذتها جنوب السودان بإنشاء صالات جديدة في مطار جوبا الدولي رسالةً واضحة مفادها أن الاستثمار في المطارات ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية.

المفارقة أن هذه الرسالة تأتي من دولة لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، لكنها أدركت أن المطار هو بوابة الدولة الأولى، وأن صورة البلاد تبدأ من اللحظة التي يطأ فيها المسافر أرض المطار.

أما في السودان، فإن المشهد يبدو مختلفًا.

فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح مطار بورتسودان الدولي المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد، وتحول بين ليلة وضحاها من مطار إقليمي محدود الحركة إلى المطار الذي يحمل على عاتقه معظم حركة النقل الجوي السودانية. ومع ذلك، لا يزال يعمل ببنية تحتية صُممت لواقع مختلف تمامًا، ولم تشهد تطويرًا يتناسب مع التحول الكبير الذي فرضته الظروف.

لقد أصبح الازدحام مشهدًا مألوفًا، وطوابير الانتظار جزءًا من رحلة السفر، بينما تعمل المرافق تحت ضغط متواصل يفوق قدراتها التشغيلية. ورغم ذلك، لا يزال الحديث عن مشروع متكامل لتوسعة المطار أو إنشاء صالات حديثة غائبًا عن أولويات التخطيط.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة هو التكيف مع الأزمات بدلًا من معالجتها. وهذا ما يحدث عندما يتحول الضغط التشغيلي إلى أمر اعتيادي، ويصبح القصور في البنية التحتية واقعًا يتم التعايش معه بدلًا من تغييره.

إن تطوير مطار بورتسودان ليس مطلبًا تجميليًا، ولا مشروعًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل هو استحقاق وطني تفرضه اعتبارات السلامة والكفاءة والاقتصاد. فكل رحلة جديدة، وكل شركة طيران إضافية، وكل زيادة في أعداد المسافرين، تعني ضغطًا أكبر على منشآت لم تُنشأ لاستيعاب هذا الحجم من الحركة.

وإذا كانت الدولة تتطلع إلى استعادة دور السودان كمركز إقليمي للنقل الجوي، فإن البداية لا تكون بالشعارات، بل ببناء مطارات حديثة قادرة على المنافسة، تستوفي المعايير الدولية، وتوفر بيئة تشغيلية جاذبة لشركات الطيران والمستثمرين.

إن الاستثمار في المطارات لا يقتصر أثره على قطاع الطيران، بل يمتد إلى التجارة والسياحة والاستثمار والخدمات اللوجستية، ويعكس صورة الدولة أمام العالم. ولهذا تتسابق الدول، مهما كانت ظروفها الاقتصادية، لتطوير مطاراتها باعتبارها مشاريع سيادية ذات أثر اقتصادي مباشر.

إن تجربة جوبا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نجاحًا لدولة مجاورة فحسب، بل باعتبارها جرس إنذار يدعو إلى مراجعة أولوياتنا. فحين تمضي دول المنطقة في تحديث بنيتها التحتية، بينما نكتفي بإدارة الواقع كما هو، فإن الفجوة ستتسع عامًا بعد آخر.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية، لا تصريحًا إعلاميًا:

إذا كانت جوبا، بإمكاناتها المحدودة، تبني صالات جديدة استعدادًا للمستقبل، فما الذي يمنع بورتسودان، وهي البوابة الجوية الرئيسية للسودان اليوم، من أن تبدأ مشروعًا وطنيًا لتطوير مطارها بما يليق بحجم المسؤولية التي يحملها؟

فالمطارات لا تُبنى للحاضر فقط، بل للأجيال القادمة. والدول التي تؤجل الاستثمار في بنيتها التحتية، تؤجل معها فرصها في التنمية والنهضة والمنافسة …




حسام بشير

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.