في جدلية مطار الخرطوم الجديد:لماذا ينبغي أن ننظر إلى المطار الجديد بوصفه مشروعاً لبناء الدولة وليس مجرد مشروع إنشاءات؟

في جدلية مطار الخرطوم الجديد:لماذا ينبغي أن ننظر إلى المطار الجديد بوصفه مشروعاً لبناء الدولة وليس مجرد مشروع إنشاءات؟
بقلم: إبراهيم عدلان
أثار البروفيسور شمبول عدلان قضية مهمة تستحق النقاش الهادئ والمسؤول حول مستقبل مطار الخرطوم، وهي قضية لا يجوز أن تخضع للعواطف أو لضيق الأفق الزمني، وإنما ينبغي أن تُناقش بمنهج استراتيجي يضع السودان بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، لا السودان في ظروفه الراهنة فقط.
وفي تقديري، فإن جوهر القضية لا يتمثل في الاختيار بين مطار قديم وآخر جديد، وإنما في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: أي سودان نريد أن نبنيه بعد انتهاء الحرب؟
إذا كانت الرؤية تقتصر على إعادة ما كان قائماً قبل الحرب، فقد يكون ترميم المطار الحالي كافياً. أما إذا كان الهدف هو إعادة بناء الاقتصاد السوداني ودمجه في الاقتصاد العالمي، فإن مطار الخرطوم الجديد يصبح أحد أهم المشروعات الوطنية التي لا غنى عنها.
إن المطارات في الفكر الاقتصادي الحديث لم تعد مجرد مرافق لنقل المسافرين، بل أصبحت محركات للنمو الاقتصادي، ومراكز لوجستية، ومدناً اقتصادية متكاملة، ونقاط جذب للاستثمار والتجارة والصناعة والسياحة. ولهذا أصبحت الدول تتنافس في بناء المطارات العملاقة حتى عندما تكون مطاراتها الحالية تعمل بكفاءة.
وليس أدل على ذلك من التجربة الإثيوبية؛ فمطار أديس أبابا الحالي يعد من أنجح مطارات إفريقيا، ومع ذلك شرعت إثيوبيا في إنشاء مطار بيشوفتو الدولي الجديد بتكلفة تقارب 12.5 مليار دولار ليستوعب نحو ستين مليون مسافر سنوياً. لم يكن الدافع هو فشل المطار القديم، بل الإيمان بأن النمو الاقتصادي المستقبلي يحتاج إلى بنية تحتية تسبق الطلب ولا تنتظره.
والسودان يمتلك من المقومات ما يجعله أولى بهذا التفكير؛ فهو يقع في قلب القارة الإفريقية، ويتوسط عدداً من أهم مسارات الحركة الجوية بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، ويملك مساحات شاسعة تسمح بإنشاء مدينة مطارية متكاملة، وهي ميزة تفتقر إليها كثير من الدول المنافسة.
أما مطار الخرطوم الحالي، فقد أدى دوره التاريخي بكفاءة طوال أكثر من ثمانية عقود، لكنه أصبح اليوم أسيراً لموقعه داخل النسيج العمراني للعاصمة. فالمساحة المحدودة، والعوائق الملاحية، واستحالة إنشاء مدارج إضافية، وصعوبة إطالة المدرج، كلها تحديات لا يمكن معالجتها بعمليات ترميم أو توسعة محدودة. كما أن وجود المطار في قلب الخرطوم أصبح يمثل عائقاً أمام التخطيط العمراني والتوسع الحضري الطبيعي.
ومن هنا، فإن إعادة تأهيل المطار الحالي ينبغي أن تكون معالجة انتقالية مؤقتة لضمان استمرار التشغيل، لا بديلاً عن المشروع الاستراتيجي المتمثل في مطار الخرطوم الجديد.
المطار الجديد رافعة للاقتصاد السوداني
ينبغي النظر إلى مشروع المطار الجديد باعتباره مشروعاً اقتصادياً متعدد الآثار، وليس مجرد مشروع للنقل الجوي.
فهو قادر على:
- تحويل السودان إلى مركز إقليمي للشحن الجوي مستفيداً من موقعه الجغرافي.
- إنشاء منطقة حرة ومركز لوجستي يخدم دول الجوار غير الساحلية.
- جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات الصيانة، والتموين، والخدمات الأرضية، والتخزين المبرد، والصناعات المرتبطة بالطيران.
- زيادة عائدات رسوم العبور والخدمات الجوية.
- توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
- رفع القيمة الاقتصادية للأراضي المحيطة بالمطار وإنشاء مدينة مطارية متكاملة (Airport City).
- دعم الصادرات السودانية، خاصة المنتجات الزراعية والحيوانية ذات القيمة العالية وسريعة التلف.
إن الأثر الاقتصادي الحقيقي للمطار لا يقاس بعدد المسافرين فقط، وإنما بما يولده من أنشطة اقتصادية مصاحبة تمتد لعقود.
كيف يمول المشروع؟
قد يرى البعض أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تسمح بتمويل مشروع بهذا الحجم، غير أن التجارب الدولية أثبتت أن تمويل المطارات الكبرى لم يعد يعتمد على الموازنات الحكومية وحدها.
فاليوم توجد نماذج تمويل ناجحة، أهمها:
أولاً: نظام BOT (Build – Operate – Transfer)
ويقوم على أن يتولى مستثمر أو تحالف شركات:
- تمويل المشروع بالكامل.
- تصميمه وإنشاؤه.
- تشغيله لفترة زمنية متفق عليها لاسترداد استثماره وتحقيق عائد.
- ثم نقل ملكيته كاملة إلى الدولة.
وقد نجح هذا النموذج في تمويل وتشغيل عدد كبير من المطارات حول العالم، خاصة في الدول النامية.
ثانياً: الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)
وهو نموذج أكثر مرونة، تتقاسم فيه الدولة والقطاع الخاص التمويل والمخاطر والعوائد، مع احتفاظ الدولة بدورها السيادي والرقابي.
ويتيح هذا النموذج جذب رؤوس الأموال والخبرات العالمية، مع الحفاظ على ملكية الدولة للأصول الاستراتيجية.
العلاقات الخارجية مفتاح النجاح
لا ينبغي أن ينظر السودان إلى مشروع المطار باعتباره مشروعاً محلياً فحسب، بل مشروعاً إقليمياً يمكن أن يحظى بدعم واسع إذا أحسن تسويقه.
فالسودان يمتلك علاقات يمكن البناء عليها مع:
- الصناديق العربية للتنمية.
- مؤسسات التمويل الإفريقية.
- البنك الإسلامي للتنمية.
- البنك الإفريقي للتنمية.
- صناديق الثروة السيادية الخليجية.
- شركات تشغيل المطارات العالمية.
- شركات الهندسة والإنشاء المتخصصة في المطارات.
كما يمكن للحكومة طرح المشروع في مؤتمر دولي للمستثمرين، بعد إعداد دراسة جدوى احترافية تبين العوائد الاقتصادية ومعدلات الطلب المتوقعة وخطط التطوير المرحلي، بحيث يصبح المشروع Bankable وقادراً على جذب التمويل التجاري والاستثماري.
رؤية تتجاوز المطار
لقد تغير مفهوم المطارات في العالم. فلم تعد مجرد مدارج وصالات ركاب، بل أصبحت مدناً اقتصادية ذكية تضم مناطق صناعية، ومراكز لوجستية، وفنادق، ومراكز مؤتمرات، ومناطق تجارة حرة، ومراكز بيانات، وأنظمة تشغيل رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي لإدارة العمليات بكفاءة عالية.
وهذا هو النموذج الذي ينبغي أن يسعى إليه السودان إذا أراد أن يحتل موقعاً متقدماً في اقتصاد الطيران الإفريقي.
خاتمة
إن إعادة إعمار السودان بعد الحرب لا ينبغي أن تكون إعادة لما كان قائماً، بل تأسيساً لما ينبغي أن يكون قائماً.
ومطار الخرطوم الجديد ليس مشروعاً ترفيهياً ولا مشروعاً رمزياً، وإنما استثمار استراتيجي طويل الأجل في مستقبل السودان الاقتصادي، ومكانته الإقليمية، وقدرته على المنافسة.
إن الدول التي تفكر بعقلية المستقبل لا تسأل: “كم سيكلف المشروع؟” بل تسأل: “كم ستكلفنا الفرصة الضائعة إذا لم ننفذه؟”
ولهذا فإن الواجب اليوم ليس التراجع عن مشروع مطار الخرطوم الجديد، وإنما إعادة صياغته وفق أفضل الممارسات العالمية، وتأمين تمويله عبر نماذج BOT وPPP، وتعبئة العلاقات الخارجية والشراكات الدولية ليصبح أحد أكبر مشاريع النهضة الاقتصادية في السودان خلال العقود القادمة.



