اجتماعات الإيكاو في القاهرة .. من يتحدث باسم الأجسام التشغيلية للمطارات الأفريقية؟

اجتماعات الإيكاو في القاهرة .. من يتحدث باسم الأجسام التشغيلية للمطارات الأفريقية؟
بقلم : مصطفى سليمان
تستضيف القاهرة خلال الفترة من 27 إلى 31 يوليو 2026 أعمال أسبوع أفريقيا والمحيط الهندي (AFI Week 2026)، الذي تنظمه منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو)، بمشاركة وزراء الطيران والنقل، ورؤساء سلطات الطيران المدني، وصناع القرار والخبراء من مختلف أنحاء القارة الأفريقية.
السودان يشارك في معرض لوجستيات حول العالم
ولا شك أن هذا الحدث يمثل فرصة مهمة لمناقشة قضايا السلامة الجوية، وأمن الطيران، والاستدامة، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية. لكن يبقى السؤال الأهم :
هل يكفي تطوير المطارات دون تطوير المؤسسات التي تديرها وتشغلها؟
إن الحديث عن مستقبل الطيران الأفريقي لا ينبغي أن يقتصر على بناء صالات حديثة أو تحديث المدارج أو شراء أحدث الأنظمة التقنية، فكل هذه المشروعات لن تحقق أهدافها إذا ظلت الأجسام التشغيلية للمطارات تعاني من ضعف الإمكانات، وهشاشة الهياكل الإدارية، ونقص الكوادر المؤهلة، وتراجع بيئة العمل.
لقد أثبتت التجارب أن نجاح أي مطار يبدأ من المؤسسة التي تديره، وليس من المبنى الذي يستقبل المسافرين. فالمؤسسة التشغيلية هي العقل الذي يخطط، والقلب الذي يدير العمليات، والذراع التي تنفذ معايير السلامة والأمن والجودة على مدار الساعة.
وفي العديد من الدول الأفريقية، تواجه شركات وهيئات تشغيل المطارات تحديات متشابهة؛ ضعف الموارد المالية، وتأخر مشاريع التطوير، ونقص التدريب، وهجرة الكفاءات، وتراجع الحوافز، إلى جانب ضغوط متزايدة لتطبيق معايير دولية بإمكانات محدودة. وهذه التحديات لا تنعكس على العاملين وحدهم، بل تمتد آثارها إلى جودة الخدمات، وكفاءة التشغيل، ومستوى السلامة، وثقة شركات الطيران في المطارات الأفريقية.
ولا يقل اختيار القيادات أهمية عن توفير التمويل أو تحديث البنية التحتية. فالمؤسسات التشغيلية تحتاج إلى قيادات تمتلك الخبرة الفنية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الموارد بكفاءة، بعيدًا عن المجاملات أو الاعتبارات غير المهنية. فالقيادة الكفؤة هي التي تحول الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة، وتبني فرق عمل قادرة على التطوير والابتكار، بينما قد يؤدي ضعف الإدارة إلى إهدار الموارد وتعطيل خطط الإصلاح، مهما توفرت الإمكانات.
كما أن الاهتمام بالعاملين ليس مطلبًا نقابيًا فحسب، بل هو ضرورة تشغيلية. فالموظف الذي يعمل في بيئة مستقرة، ويحصل على حقوقه، ويتلقى التدريب المستمر، يكون أكثر قدرة على الالتزام بمعايير السلامة والجودة. أما تجاهل العنصر البشري، فهو استنزاف صامت لأهم أصول قطاع الطيران.
وتبرز هذه التحديات بصورة أكبر في الدول التي مرت بنزاعات أو أزمات اقتصادية، حيث لم تتضرر المطارات وحدها، بل تأثرت أيضًا المؤسسات التي تديرها، وفقدت جزءًا من كوادرها وخبراتها ومواردها. ولذلك فإن إعادة بناء قطاع الطيران لا تعني إعادة تأهيل المدرجات والصالات فقط، وإنما تعني أيضًا إعادة بناء المؤسسات التشغيلية على أسس حديثة، وتمكينها من أداء دورها بكفاءة واستقلالية.
ومن هنا، فإن اجتماعات الإيكاو في القاهرة تمثل فرصة حقيقية لإطلاق رؤية أفريقية جديدة، تجعل تطوير الأجسام التشغيلية للمطارات جزءًا أساسيًا من استراتيجية النهوض بالطيران المدني، من خلال تعزيز الحوكمة، والاستثمار في الموارد البشرية، وتطوير القيادات، وتوفير التمويل المستدام، وتبادل الخبرات بين الدول الأفريقية.
إن مستقبل الطيران في أفريقيا لن تصنعه المؤتمرات وحدها، ولن يتحقق بمجرد إصدار التوصيات والبيانات الختامية، بل تصنعه مؤسسات قوية، وقيادات كفؤة، وعاملون مؤهلون، وإرادة حقيقية تضع الكفاءة فوق كل اعتبار.
فإذا أرادت أفريقيا أن تنافس في صناعة النقل الجوي العالمية، فعليها أن تبدأ من حيث يبدأ النجاح الحقيقي :
وهو إصلاح مؤسسات تشغيل المطارات، لأنها ليست مجرد أجهزة إدارية، بل هي الركيزة التي يقوم عليها أمن الطيران، وسلامته، وكفاءته، واستدامته …



