مديونيات شركات الطيران .. إذا أخذت الدولة فعليها أن تُعطي!
علاءالدين يوسف
في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الدولة سنداً لشركات الطيران الوطنية، نجدها تنشغل بمطالبتها بسداد المديونيات، وكأن هذه الشركات تعمل في ظروف طبيعية، أو تحقق أرباحاً استثنائية، أو أنها لم تكن من أكبر ضحايا الحرب التي اجتاحت البلاد.
مطالبات بمراجعة مديونيات شركات الطيران و إنقاذ أوضاع العاملين بقطاع المطارات
شركات الطيران السودانية لم تخسر بسبب سوء الإدارة أو ضعف السوق، بل خسرت بسبب حرب دفعت ثمنها قسراً. فقدت طائرات، وتوقفت العمليات، وتعرضت المكاتب للتدمير، وتبددت الإيرادات، واضطرت إلى إعادة بناء أعمالها من الصفر .. وتجدها اليوم، وبعد كل ذلك، تعمل في بيئة تشغيلية متهالكة تماماً .. المطارات بإمكانات محدودة، وبنية تحتية منهكة، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف التشغيل، ورسوم متزايدة، ومخاطر يومية تواجهها في سبيل استمرارها.
وسط هذا الواقع هل هذا هو الوقت المناسب لمطالبة هذه الشركات بالمديونيات… أم أن الواجب الوطني يقتضي دعمها حتى تستعيد عافيتها؟
لقد أدركت دول كثيرة أن شركات الطيران الوطنية ليست مجرد شركات خاصة، وإنما أصول استراتيجية للدولة … ففي نيجيريا، اتجهت الحكومة إلى تقديم إعفاءات ومعالجات للرسوم والديون دعماً للناقلات الوطنية، لأنها تعلم أن انهيارها يعني خسارة الاقتصاد بأكمله وليس خسارة الشركات وحدها.
أما في السودان، فيبدو أن فلسفة التعامل مع القطاع لا تزال قائمة على التحصيل قبل التفكير في الإنتاج، وعلى الجباية قبل التنمية وكأن المطلوب من الشركات أن تدفع، مهما كانت الظروف، ومهما بلغت خسائرها.
من سيعوض هذه الشركات عن مليارات الجنيهات التي خسرتها بسبب الحرب؟ من سيعوضها عن الطائرات التي تدمرت.. إذا كانت الدولة ترى أن الحرب ظرف استثنائي، فلماذا لا تنعكس هذه القناعة في سياساتها تجاه قطاع الطيران؟
إن القاعدة البسيطة تقول .. إذا أخذت الدولة، فعليها أن تُعطي. فإذا كانت تطالب الشركات بالوفاء بالتزاماتها، فمن حق الشركات أيضاً أن تطالب الدولة بواجبها في توفير بيئة تشغيل سليمة، ومطارات مؤهلة، ورسوم عادلة، وسياسات تشجع الاستثمار بدلاً من أن تنفره.
لا يمكن لدولة أن تطالب شركاتها الوطنية بحمل الاقتصاد على أكتافها، ثم تثقلها في الوقت نفسه بالرسوم والديون، دون أي حزمة دعم أو إعفاء أو حتى إعادة جدولة تتناسب مع حجم الكارثة التي مرت بها البلاد.
إننا لا نطالب بإعطاء شركات الطيران الوطنية امتيازات بل نطالب بالعدالة .. والعدالة تقتضي أن تتحمل الدولة نصيبها من المسؤولية، كما تتحمل الشركات نصيبها من الالتزامات. . أما أن يكون المطلوب دائماً هو الدفع، دون دعم، والتحصيل، دون تعويض، فذلك ليس إصلاحاً اقتصادياً، وإنما وصفة مضمونة لإضعاف ما تبقى من قطاع حيوي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
