المُوردة… حيث يصنع النيل الحكايات
أبشر حسين
على طرف القيف، عند الضفة الغربية لخور أبو عنجة، كان المكان يعجّ بالحياة، كأنما النيل نفسه يفتح ذراعيه للصبية الذين يصنعون يومهم بأيديهم وضحكاتهم. كنا نجلس هناك أنا وقرماج وطراوة وبُجاو، وكلٌّ منا يحمل جبّادته الصغيرة؛ تلك العصا البدائية التي لم تكن مجرد أداة صيد، بل قطعة من طفولتنا، شاهدة على صبرنا وفرحنا وعنادنا الجميل.
أبشر حسين يكتب: بعض الأشياء والأحداث تظل عالقة في الذهن لا تتمحى.
نربط في أطرافها الصارغيل الذى نجلبه من حديقة الموردة، ندقّها بخفة ونثبتها جيدًا، ثم نلقي الخيوط في الماء الساكن، نترقّب تلك
الرعشة الخفيفة التي تعلن أن سمكة وقعت في الفخ. كان البلطي سيد الخور، ننتظره دائمًا، لكنه كان يجود علينا أحيانًا بالقرقور، فتعلو صيحاتنا دهشة وفرحًا، ونقف نحدّق في السمكة اللامعة تحت الشمس، كأنها تعلن انتصارًا صغيرًا نحتفل به كما يحتفل الكبار في أعيادهم.
وإلى جانبنا، يجلس أخونا الكبير عبد العزيز الصيادي، يصطاد بشبكة كبيرة تمتد في الماء كجناح طائر، يذرّ على سطحه المشك، فيتزاحم السمك حوله كأنه يعرفه ويطمئن لليد التي تطعمه. كنا ننظر إليه بإجلال؛ فهو لا يصطاد فقط، بل يحاور الماء ويفهم أسراره، كأن الخور كتاب فتح الله صفحاته له.
وعلى بُعد خطوات، أمام منزل العم مصطفى حسن خليل، جلس فيصل المقطع ونادر محمد نور وسيف ود أم كمين، مأخوذين في مغالطة أم درمانية أصيلة؛ ترتفع الأصوات وتهبط، تلوّح الأيدي وتتلألأ العيون، ويخيّل للناظر أن الأمر خلاف كبير، لكنه لا يلبث أن ينقلب إلى ضحك صافٍ وحكايات جديدة.
كان اليوم هادئًا، النسيم يهب من الموردة، ورائحة الطمي تعلو من الماء،وفجأة تغيّر الجو. همس الأطفال، التفتوا يمينًا ويسارًا، وكأن حدثًا عظيمًا على وشك الوقوع. ثم ظهر السوارى،يمتطي حصانه العجوز الذي يعرفه أهل الحي كما يعرفون رائحة الخريف. كان طويل القامة، مهيب الطلعة، يرتدي زي الشرطة، يمضي بثبات كأنه يزيل الزمن من طريقه. وما إن ظهر حتى بدأ الأطفال ينسحبون بسرعة، يركضون وهم يتضاحكون، يختلط في عيونهم خوف خفيف بفرح يشبه فرح صباح العيد. ظل ذلك المشهد محفورًا في الذاكرة،الجبّادة، الصارغيل، عبد العزيز الصبّادي، وظهور السوارى… لوحة كاملة من طين الموردة ومائها.
وعلى مسافة قريبة، كان المشرع يعج بالحركة. المراكب تنقل الناس بين الضفتين، وترى عثمان ود الصبر وميرغني ود الصول وقد شمّرا عن ملابسهما، يسحبان المركب إلى داخل الخور، يستعملان القنايا كمجاديف، فتنزلق المركب فوق الماء ببطء ونعومة، كأنها أنثى في مقتبل العمر تمشي الهوينى. وفجأة يظهر جلال عبد الرحيم، بصوته الجهوري وضحكته الطفولية، يكربن في ميرغني ود الصول، يدخل عليهما في ملاسنات مرحة تجعل كل من في المركب ينفجر ضحكًا. ثم يأتي على عابدين، يتقدم كفارس من العصور الوسطى، يدخل في مجادلات تزيد اللحظة ألقًا وتضيف للضحك ضحكًا.
تتقابل مركبان، واحدة جاية من مشرع ناس الروضة الداية، وأخرى من ناس وهدان. يوشكان على الاصطدام، ولولا براعة عثمان ود الصبر وميرغني ود الصول لكانت القصة أخذت منحى آخر. لكنه الخور… يعرف أبناءه، ويحنو عليهم، وينجو بهم دائمًا.
وبعيدًا عنا، يجلس متوكل يوسف وأبو القاسم أمام منزل حسن محمد أحمد، ومعهم أحمد عبد القادر، يتسامرون في هدوء الأمسية. وتحت السلالم، مجموعة أطفال يغسلون “الشمل” الذي جمعته نساء الحي خلال النهار.
وفي ركن نادي الموردة القديم، يجلس إبراهيم خميس، وأحمد عمر، وعمر الشيخ، يتحاورون بوقار أم درمان المعروف، ذلك الوقار الذي يجمع بين الحكمة ونُكتة الختام خاصة عندما يظهر الفاضل خميس.
وعلى الضفة الأخرى، أمام شجر الغليل، يجلس منصور محمد خير وبعض الرفاق، يغلب على حديثهم طابع السياسة. وبالقرب منهم يجلس العم عمر في مركبه، يرقّع شبكته الكبيرة بحرفية الصيادين الذين علّمهم النيل كيف يستعدون لرحلة الصيد مع أول خيط من نور الفجر.
وتبدأ الشمس تجمع خيوطها الأخيرة، كأنها تخجل من جمال الغروب على ضفاف الخور. وللغروب هناك سحر لا يوصف…يستلم الليل مكانه ببطء، يمد بساطه فوق الماء، وتبدأ المراكب المؤجرة في الانسياب على السطح الهادئ. وبعد قليل يتعالى الغناء؛ تختلط أصوات المغنين بتموّج الماء، فتتردد الألحان على الضفاف، حبلى بالعاطفة والحنين.وكما قال الدرويش: “المدينة كنّست كل المغنين…”لكن الموردة جمعتهم، واشتعلت كزهرة زنبق، تنثر الجمال وتحوّل الخور إلى توأم للبندقية، وإلى مرآة للروح.
تغمر رائحة البخور المكان، ويتبع العشاق أصوات الطيور المهاجرة كأنها بوصلة تقودهم إلى الضفاف الهادئة، حيث يصبح للنهر ليل آخر، وللذاكرة وطن آخر.
لم يكن ذلك اليوم استثنائيًا…
لكنه كان صورة كاملة للموردة كما عرفناها:
مدينة يصنع أهلها الفرح من أبسط الأشياء، ويخلق النيل حولها عالمًا من الحكايات التي لا تنتهي.
بروفيسور أبشر حسين
