عادل المفتي يكتب: أمسكوا العصاية من النص… فاسمها السودان

أمسكوا العصاية من النص… فاسمها السودان

كابتن طيار عادل المفتي

كلما كتبت مقالًا أدعو فيه إلى الحوار، أو أطالب بتقديم مصلحة السودان على المصالح الحزبية أو العسكرية أو الجهوية، أجد من يكتب ساخرًا: “عادل المفتي دائمًا يمسك العصاية من النص.”
وأقرأ العبارة مبتسمًا…
لأن أصحابها يقصدون بها الانتقاص، بينما أعتبرها وسامًا أعتز به.
بل إنني لا أكتفي بأن أمسك العصاية من النص، وإنما أدعو كل سوداني غيور على وطنه أن يفعل الشيء نفسه.

عادل المفتي يكتب: هل يضيع السودان بين “الكوز” و”القحاطي”؟

لماذا؟
لأن العصاية التي نتحدث عنها ليست عصاية خصومة بين شخصين، ولا حبل شدٍّ بين فريقين، وإنما هي وطن اسمه السودان.
وإذا أمسك كل طرف بطرفها، وأخذ يشدها بكل ما يملك من قوة، فلن تكون النتيجة انتصار أحد، وإنما انكسار العصاية نفسها.
واليوم… العصاية اسمها السودان.
ومن المؤلم أن بعضنا أصبح حريصًا على أن ينتصر فريقه، أكثر من حرصه على أن يبقى الوطن. وكأن السودان خُلق ليكون ساحة صراع دائم، لا بيتًا يتسع للجميع.
لقد جرّبنا سنوات طويلة من التخوين والإقصاء والاستعلاء السياسي، وجربنا لغة السلاح، وجربنا أن يعتقد كل طرف أنه وحده يمتلك الحقيقة، فماذا كانت النتيجة؟
حرب أحرقت المدن، وأزهقت الأرواح، وشردت الملايين، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأضعفت الدولة، وأدخلت السودان في واحدة من أصعب مراحله.
أليس من حق هذا الشعب أن يجرب طريقًا آخر؟
طريق الحكمة…
طريق الحوار…
طريق الإمساك بالعصاية من النص.
إن البعض يخلط بين الوسطية وبين الضعف، وبين الحكمة وبين التردد.
وهذا خطأ كبير.
فالوسطية التي ندعو إليها ليست حيادًا بين الحق والباطل، وليست صمتًا عن الخطأ، وليست مساومة على المبادئ، وإنما هي انحياز كامل إلى الوطن، وجيشه وإلى مصلحة الإنسان السوداني، وحفظ كرامته والدفاع عن دمه وارضه وعرضه وماله ، وإلى السلام العادل الذي يحفظ كرامة الشعب ويصون وحدة البلاد.
لقد جعل الله الوسطية سمة هذه الأمة فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
ولم يكن ذلك لأن الوسطية ضعف، وإنما لأنها عدل، واتزان، وحكمة، وقدرة على رؤية الصورة كاملة، بعيدًا عن الغلو والتطرف والانفعال.
وفي تاريخ الشعوب، لم يصنع السلام المتعصبون، وإنما صنعه الحكماء.
ولم يبنِ الأوطان دعاة الكراهية، وإنما بناها الذين امتلكوا شجاعة الجلوس مع خصومهم، وتقديم مستقبل أوطانهم على جراحهم الشخصية.

ولعل في تجربة الزعيم نيلسون مانديلا ما يلخص المعنى كله؛ فقد جلس مع خصومه من أجل وطنه، لأنه أدرك أن الأوطان لا تُبنى بالثأر بل بالشجاعة الأخلاقية. وقد قال: «إذا أردت أن تصنع السلام مع عدوك، فعليك أن تعمل معه، وعندها يصبح شريكك». وهكذا فقط تُصان الدول: حين يعلو صوت الوطن فوق ضجيج الخصومة، ويصبح إنقاذ السودان أهم من الانتصار في معركة عابرة.

واليوم، نحن في السودان أحوج ما نكون إلى هذه الشجاعة.
أحوج ما نكون إلى أن يجلس السودانيون معًا، لا ليتبادلوا الاتهامات، وإنما ليبحثوا عن مخرج لهذا الوطن.
نحتاج إلى حوار سوداني–سوداني، داخل الوطن لا يُقصي أحدًا، ولا يمنح أحدًا حق احتكار الوطنية أو الحقيقة.
حوار تشارك فيه القوى السياسية، والقوات المسلحة، والقوي المشركة والقوى المدنية، والإدارات الأهلية، والعلماء، والمثقفون، والشباب، والنساء، ومنظمات المجتمع المدني.

فالسودان لا يبنيه فريق واحد…
ولا ينقذه رجل واحد…
ولا يحتكره حزب واحد…
السودان ملك لكل السودانيين.
وأقول لكل سياسي، ولكل قائد عسكري، ولكل ناشط، ولكل زعيم قبيلة، ولكل صاحب رأي:

قبل أن تتمسك بموقفك… تمسك بالسودان.
وقبل أن تنتصر لنفسك… انتصر لوطنك.
وقبل أن تشد العصاية نحوك… تذكر أنها إذا انكسرت فلن يسلم منها أحد.
وأقول لمن يسخرون من عبارة “يمسك العصاية من النص”:
نعم… أفعل ذلك.
ولن أتوقف عن فعله.
لأنني لا أمسكها خوفًا من أحد، ولا مجاملةً لأحد، ولا بحثًا عن منطقة آمنة، وإنما أمسكها من الوسط حتى لا أساهم في كسرها .
فإذا انكسرت العصاية، فلن يسقط حزب، أو جيش، أو حركة، أو تيار سياسي فقط…
بل سيسقط السودان.
وحينها لن يكون هناك منتصر.
سيكون الجميع مهزومين.
إن الوطن ليس غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ولا ساحة يصفّي فيها المختلفون حساباتهم، وإنما أمانة في أعناق الجميع.
فلنجعل خلافاتنا أقل من وطننا.
ولنجعل انتماءنا للسودان أكبر من أي انتماء آخر.
ولنؤمن بأن السلام ليس هزيمة، وأن الحوار ليس ضعفًا، وأن التوافق ليس تنازلًا، بل هو أعلى درجات المسؤولية الوطنية.

دعونا نمسك العصاية من النص…
لا لأننا نخشى المواجهة…
بل لأننا نخشى على السودان.
فالعصاية ليست خشبة…
إنها وطن… اسمه السودان.

خلونا نمسك العصابة من النص ونتعلم من التاريخ :

فالتاريخ يعلمنا أن الدول قد تتفكك عندما تنهار مؤسساتها، ويُستنزف جيشها، وتتعطل اقتصادها،

خلونا نتحد ونتماسك ونتوافق ،

ونعيد الثقة بين مكوناته الوطنية.

وعندها يصبح التدخل الخارجي نتيجة، لا بداية ؟
فلنعتصم بحبل الله جميعا ونمنع ذلك .

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
صدق الله العظيم

لهذا، فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست فقط معركة وقف إطلاق النار، وإنما معركة الحفاظ على الدولة نفسها. فالدول التي تفقد وحدتها وسيادتها لا تستعيدهما بسهولة، والتاريخ القريب في المنطقة يقدم شواهد مؤلمة على ذلك . فلنتعظ .

وبالبلدي كده وببساطة شديدة

عادل المفتي يكتب .. ليمسك السودان من النص .. فتعالو جميعا نتعاون ونترك الفرقة والخذلان ، ونعتصم ونتحد ونتوافق ونمسك السودان من النص .. لنساعده في القيام لينهض من جديد ..

قال تعالي : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
صدق الله العظيم ،

كابتن طيار عادل المفتي
١٦ يوليو ٢٠٢٦ م
جده




عادل المفتي

عادل المفتي هو كابتن طيار وسياسي سوداني بارز، يُعرف بنشاطه في قطاع الطيران ومواقفه السياسية والوطنية.تشمل أبرز محطاته ومجالات نشاطه:قطاع الطيران المدني: خبير في مجال الطيران وكابتن طيار، ترأس سابقاً لجنة تفكيك نظام التمكين في قطاع الطيران. يكتب عادل المفتي في الإقتصاد والسياسة، يشغل منصب مدير شركة "تأشير" لخدمات التأشيرات في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.