المدير العام للخطوط الجوية السودانية..من وحي الانتقال من التكليف إلى التعيين

المدير العام للخطوط الجوية السودانية..من وحي الانتقال من التكليف إلى التعيين
إبراهيم عدلان
جاء قرار مجلس الوزراء الانتقالي بتعيين الكابتن مازن العوض مديرًا عامًا لشركة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) بعد فترة طويلة قضاها مديرًا عامًا مكلفًا. وبغض النظر عن القرار في حد ذاته، فإن الانتقال من التكليف إلى التعيين يحمل دلالات إدارية ومؤسسية تستحق الوقوف عندها.
الخطوط الجوية القطرية تستأنف رحلاتها إلى السودان عبر مطار بورتسودان
فالتكليف، بطبيعته، هو مرحلة انتقالية قد يفرضها ظرف معين، بينما يمثل التعيين إقرارًا بثقة الجهة المالكة في قدرة المدير على قيادة المؤسسة وتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجها. ومن هنا فإن التعيين لا ينبغي أن يكون بداية لاكتشاف مشكلات الشركة، وإنما بداية لتنفيذ الحلول التي تكون قد نضجت خلال فترة التكليف.
لقد وفرت فترة التكليف للكابتن مازن العوض فرصة ثمينة للتعرف عن قرب على واقع سودانير، والوقوف على تفاصيل أوضاعها التشغيلية والمالية والإدارية، والاستماع إلى العاملين، وفهم طبيعة التحديات التي تواجه الناقل الوطني. ولهذا فمن المنطقي أن يكون قد خرج من تلك الفترة برؤية واضحة، وخطة عملية، وأولويات محددة لمرحلة إعادة البناء.
غير أن نجاح أي مدير عام، مهما بلغت خبرته، لا يرتبط بقدراته الشخصية وحدها، وإنما بالبيئة المؤسسية التي يعمل في إطارها. فالاستقلال الإداري والمالي يمثل أحد أهم مفاتيح نجاح الإدارة التنفيذية، إذ لا يمكن مطالبة المدير بتحقيق نتائج استثنائية إذا ظلت صلاحياته مقيدة، أو أصبحت القرارات التنفيذية رهينة للتدخلات اليومية.
إن المطلوب اليوم هو أن تُطلق يد المدير العام وفريقه الإداري لتنفيذ برنامج الإصلاح، وأن يُمنحوا الصلاحيات الكاملة لإدارة الشركة وفق أسس مهنية وتجارية، مع توفير الدعم المالي اللازم من وزارة المالية باعتبار أن سودانير شركة وطنية ذات أهمية استراتيجية تحتاج إلى إعادة بناء، لا إلى مجرد إدارة أزمة.
وفي المقابل، فإن منح الاستقلالية لا يعني إعفاء الإدارة من المساءلة. فالقاعدة السليمة في الحوكمة هي حرية القرار مقابل وضوح المسؤولية. ولذلك يجب أن تُدار الشركة باستقلالية كاملة، بينما تخضع حساباتها وأداؤها للمراجعة السنوية بواسطة المراجع العام، وأن يمارس مجلس إدارة مهني دوره في الرقابة الاستراتيجية وتقييم الأداء بعيدًا عن التدخل في الإدارة التنفيذية.
لقد أثبتت تجارب كثير من شركات الطيران الوطنية أن الدولة تنجح عندما تؤدي دور المالك لا المدير؛ فتضع السياسات، وتوفر التمويل عند الحاجة، وتراقب الأداء، لكنها تترك الإدارة التنفيذية تدير أعمالها وفق قواعد الاقتصاد والإدارة الحديثة.
واليوم، وبعد الانتقال من مرحلة التكليف إلى مرحلة التعيين، لم يعد النجاح يقاس بصدور القرار، وإنما بما سيترتب عليه من نتائج. فالأنظار تتجه إلى خطة العمل، وإلى قدرة الإدارة الجديدة على إعادة الثقة في سودانير، واستعادة مكانتها تدريجيًا كناقل وطني يليق بتاريخ السودان وإمكاناته.
نسأل الله أن يوفق الكابتن مازن العوض وفريقه الإداري في هذه المهمة الوطنية الصعبة، وأن يكون هذا التعيين بداية مرحلة جديدة تُبنى فيها سودانير على أسس الحوكمة الرشيدة، والاستقلال المؤسسي، والإدارة المهنية، بما يعيد لهذا الصرح العريق مكانته التي يستحقها في سماء أفريقيا والمنطقة.



