“أدفع أو امشِ دقريس”.. قصة احتجاز مروعة لناشط سوداني بدارفور

حكي مواطن سوداني ناشط في العمل الطوعي تفاصيل تعرضه إلى احتجاز في مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور عندما كان عائدا من دولة تشاد مرور ضمن بعثة إنسانية، حيث كان عنوان الاحتجاز الأبرز “أدفع او أمشي سجن دقريس”.

السفر للسودان

قبل ثلاثة أسابيع عبرت الحدود من مدينة أدري في دولة تشاد إلى السودان في بعثة تتعلق بالمجال الإنساني، أحمل حقيبة صغيرة وبطاقة منظمة وكنت أظن ان النية الطيبة وحدها كافية للمرور إضافة للقوانين التي تمنع التعدي على البعثات التي تتبع للمنظمات والمصادق عليها الدعم السريع، عبرنا بسلاسة مررنا بالجنينة وزالنجي ونيالا حتى الضعين، وعند خروجنا من الضعين اوقفنا افراد يتبعون لقوات الدعم السريع حيث أن وجوههم كانت متعبة ومعلقين اسحلتهم بلا نظام، واذكر أن أعين التفتيش كانت في ملامحنا قبل أوراقنا، أمرني احدهم بأن انزل من السيارة وسألوني من أين جئت؟ وعندما اجبتهم أنني اعمل في تشاد تبادلوا نظرات سريعة وقالو إنني بالتأكيد اتحجج بالعمل وانني قادم من منطقة الطينة السودانية حيث تتمركز قوات الجيش والمشتركة، وانني قادم لمد الجيش بمعلومات، أدركت حينها أنه لم يكن سؤالاً بقدر ما هو حكماً جاهزاً.

لم أمانع التفتيش اخذوا هاتفي أولا ثم المحفظة وتحولت مقتنياتي الى “مضبوطات” بعدها اقتادوني إلى مكان اسموه “حماية المدنيين” وفي الساحة الخلفية كانت هناك حاوية حديد بها باب يشبه أبواب السجون فتحوا بابها وادخلوني إليها وقيدوني بقيد عبارة عن ” جنزير وطبلة” واخبروني ان انتظر عربية الترحيل إلى سجن دقريس في نيالا، جلست في الداخل اسمع ضحكاً وقهقهات وفهمت أنني لست الأول وبالتأكيد لن أكون الأخير.

بعدها دخل علي أحد افرادهم وجلس القرفصاء أمامي وخفض صوته، قال لي ان الشباب يطلبون 32 مليار مقابل إطلاق سراحك، وأنهم سيسمحون لي بالإتصال بأهلي من هاتفي لكن تحت إشرافهم،32 مليار جنيه سوداني كان رقماً لا يقوله جائع إلا اذا كان يبيع وطناً، فصمت.

بعد فترة فكوا القيد من قدمي لأذهب لقضاء حاجتي وعندما عدت اخبرت نفس الشخص بأنني موافق، اتصل بزملائه عبر الإستار لينك وابلغوه انهم سيأتون عند المغرب حتى اتحدث مع أهلي، اخبرته أنني مرهق ولم انم ليومين فطلبت ان اغمض قليلاً خارجاً، فأشار إلي بظل شجرة وتركني، وبعد نصف ساعة خطواته تبتعد.

نهضت ومشيت ثم بدأت أجري، دخلت غابة سنط كثيفة يشبه شوكها السياط، لكنا كانت ستري الوحيد مشيت فيها أكثر من ست ساعات كل غصن كسرته خلفي كان يعني أنهم اكتشفوا هروبي، وكل طائر طار فجأة كنت اتخيله كميناً، كنت اجري من شيء اسوء من الموت من ان أصبح رقماً في فاتورة.

الآن انا في منطقة آمنة وخرجت عن مناطقهم لكنني تركت جزءاً مني هناك، والألم الأكبر أن دارفور في وجودهم أصبحت طرقاً مقطعة وبوابات، وكل بوابة دولة صغيرة لها قانونها وسعرها، والمدن أصبحت جزراً محاصرة وما بينها فراغ تملأه العصابات، السلاح ينتشر مثل البضاعة في يد أي شخص، وأصبحت قوات الدعم السريع مجموعات صغيرة تقتات على الجبايات والنهب، يوقفون عربة الدقيق كما يوقفون عربة السلاح ، ويأخذون من التاجر والمريض ومن العامل الإنساني بنفس الوجه البارد، حماية المدنيين هي اسم على حاوية الموت ومن يدفع أكثر يعيش ومن لا يملك ينتظر عربة الترحيل او يركض في الشوك على أمل ان يصل، انا نجوت وغيري كثيرين لم ينجوا، وغيرهم ما زالوا ينتظرون داخل الحاويات يسمعون نفس العرض: أدفع او امشي دقريس.




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.