“مشينا 3 أيام بلا طعام”.. شهادات مؤلمة من نازحي دارفور بتشاد

مخيم كرياري بتشاد.. 25 متطوعًا يواجهون أزمة 7 آلاف أسرة سودانية نازحة
عندما بدأت الأسر السودانية الفارة من الحرب تتدفق على مخيم كرياري في شرق تشاد، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه البقعة النائية خلال فترة قصيرة إلى ملجأ لآلاف الأشخاص القادمين من مناطق القتال في دارفور. وصلت الأسر تباعًا، منهكة من الرحلة، تحمل أطفالها وما استطاعت إنقاذه من متاعها، بينما تركت خلفها منازل احترقت وقرى دمرتها الحرب.
وسط هذا الفراغ في الاستجابة الإنسانية، تحرك عدد من الشباب والمتطوعين المحليين، ولم يكن بحوزتهم سوى قدر محدود من الطعام والكثير من الإرادة، فبدأوا بإعداد 20 طبقًا من العدس والأرز، قبل أن تتحول مبادرتهم إلى غرفة طوارئ تحاول اليوم تقديم الغذاء والمياه والمساعدة الصحية لنحو 7 آلاف أسرة، بطاقم لا يتجاوز 25 متطوعًا فقط.
افتتاح مخيم علاجي للعائدين من مصر في معبر ارقين
السودان يواجه أكبر أزمة لجوء في العالم.. ملايين النازحين وسط كارثة إنسانية متفاقمة
مخيم تجاوز طاقته الاستيعابية وسط نزوح يومي متزايد
يقع مخيم كرياري في إقليم إنيدي شرقي تشاد، وقد تحول إلى وجهة لآلاف السودانيين الفارين من الحرب في دارفور. وحذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، في تقرير صدر في مارس 2026، من أن عددًا من مواقع استقبال اللاجئين في شرق تشاد أصبح ممتلئًا، ولم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من الوافدين، وسط غياب خطط كافية للتوسع أو إنشاء مواقع بديلة.
وبحسب أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادرة في 13 يوليو 2026، تجاوز عدد اللاجئين السودانيين في تشاد 936 ألف شخص، بينما تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن إجمالي الوافدين إلى تشاد تجاوز 1.32 مليون شخص، بينهم أكثر من 400 ألف عائد تشادي.
وتقول غرفة طوارئ كرياري إن المخيم استقبل خلال الأسابيع الماضية نحو 7 آلاف أسرة، معظم أفرادها من النساء والأطفال، قدموا من مناطق أمبرو والطينة وكرنوي وجرجيرا وأبو ليحاء وكلبس وبئر سلبية وسربا في غرب دارفور. وتشير بيانات المفوضية إلى نقل نحو 68% من اللاجئين إلى مواقع إيواء منظمة، بينما لا يزال آلاف آخرون عالقون في مناطق حدودية مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والغذاء ومواد الإيواء.
ثلاثة أيام بلا طعام.. شهادات مؤلمة من قلب المأساة
تروي فاطمة آدم، التي وصلت إلى المخيم برفقة أطفالها الأربعة، تفاصيل رحلتها من منطقة قوربراء قرب أمبرو، قائلة إن منزلها أُحرق فاضطرت للمشي ثلاثة أيام متواصلة دون طعام أو ماء، فيما وصفت بكاء أطفالها من الجوع وعدم معرفتها كيف ستطعمهم في الأيام المقبلة.
ويقول مسؤول الرصد والمتابعة في غرفة طوارئ كرياري، صدام أبكر الصافي، إن الغرفة أصبحت الملاذ الوحيد للوافدين الذين يصلون يوميًا منهكين وبلا مأوى، بينما ينام الأطفال والنساء في العراء تحت الشمس الحارقة، وسط تضاعف المعاناة مع انتشار الأمراض وصعوبة الحصول على المياه النظيفة.
من جانبه، يوضح عضو غرفة الطوارئ، إبراهيم يوسف بحر، أن المطابخ التطوعية التي يديرها الفريق لا تكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة، محذرًا من خطر وقوع كارثة إذا استمر الوضع على هذا النحو، خصوصًا مع شح المياه وتفشي الأمراض.
وتؤكد أماني محمد أبكر، وهي لاجئة من منطقة أمبرو، أن الأطفال هم الأكثر معاناة، إذ تُسجَّل يوميًا حالات إصابة بالجفاف وسوء التغذية، دون توفر الأدوية الأساسية اللازمة لعلاجهم.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع أزمة المياه، حيث ارتفع عدد المستفيدين من الآبار المحدودة في المخيم إلى نحو 6 أضعاف العدد الذي كانت تخدمه قبل وصول موجات اللاجئين، ما يضطر النساء والأطفال لقطع مسافات طويلة يوميًا لجلب المياه، سيرًا على الأقدام أو على ظهور الحمير.
كما تواجه المنطقة مخاطر صحية إضافية، إذ حذرت منظمة أطباء بلا حدود في أبريل 2026 من تفشٍّ متزامن للحصبة والتهاب السحايا في مدينة أدري التشادية القريبة، وبلغ معدل الوفيات بين الأطفال المصابين بالتهاب السحايا نحو 12%، ما دفع وزارة الصحة التشادية لتنظيم حملات تطعيم عاجلة استهدفت أكثر من 95 ألفًا و500 طفل ضد الحصبة، وأكثر من 337 ألفًا و800 شخص ضد التهاب السحايا.
فجوة تمويل تهدد حياة اللاجئين مع اقتراب موسم الأمطار
تقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تشاد تستضيف نحو 2.26 مليون نازح ولاجئ، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 1.48 مليون شخص بحلول نهاية عام 2026. وفي أبريل 2026، حذرت الأمم المتحدة من أن اللاجئين السودانيين في تشاد يواجهون تخفيضات تهدد حياتهم، نتيجة فجوة تمويلية تبلغ 428 مليون دولار، أدت إلى تقليص عدد من الخدمات الأساسية المقدمة لهم.
وتوضح المفوضية أن الموارد المتاحة حاليًا لا تسمح بتقديم المساعدات سوى لأربعة من كل عشرة لاجئين، بينما تعيش نحو 80 ألف أسرة دون مأوى مناسب على الإطلاق. وينعكس هذا النقص مباشرة على أوضاع اللاجئين في كرياري، حيث لم يتلق المخيم منذ أشهر مساعدات كافية لتلبية احتياجات سكانه المتزايدة.
ويحذر صدام أبكر الصافي من أن استمرار تدفق اللاجئين دون توفير الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية قد يحول المخيم إلى بؤرة لكارثة إنسانية حقيقية، داعيًا المنظمات الدولية إلى التدخل العاجل قبل فوات الأوان. ومع اقتراب موسم الأمطار، تتزايد المخاوف من تحول الأرض المكشوفة التي ينام فوقها اللاجئون إلى مستنقعات تسهم في انتشار أوسع للأمراض بين الأطفال، وسط سؤال يطرحه متطوعو المخيم أنفسهم: إلى متى يستطيع 25 شابًا مواجهة أزمة 7 آلاف أسرة وحدهم؟



