هل يتحول التقارب السوداني الإريتري لتحالف عسكري ضد إثيوبيا؟

زيارة البرهان لأسمرا.. قراءة في أبعاد التقارب السوداني الإريتري
تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إلى العاصمة الإريترية أسمرا، في إطار الدور المتصاعد لإريتريا في معادلات القرن الأفريقي، وسط تحديات متزايدة تتعلق بفتح دول الجوار أراضيها لمليشيا الدعم السريع، وتداعيات التوترات الإقليمية التي طالت أمن البحر الأحمر. وتطرح هذه الزيارة، التي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة هذا التقارب: هل هو مشروع تحالف استراتيجي بين بلدان القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أم مجرد تحالف مرحلي فرضته الظروف الراهنة؟
مصر وإريتريا تؤكدان تعزيز الشراكة والتنسيق بشأن السودان وأمن البحر الأحمر
إثيوبيا تستبعد السودان ومصر وإريتريا من قائمة التأشيرة عند الوصول
بعدان متداخلان.. مرحلي واستراتيجي
يرى القيادي بالحزب الشيوعي السوداني، كمال كرار، أن التقارب السوداني الإريتري لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها إقليم القرن الأفريقي والبحر الأحمر، معتبراً أن هذا التقارب يحمل بعدين متداخلين: الأول مرحلي فرضته الحرب في السودان منذ اندلاعها في أبريل 2023، حيث أصبحت الدول المجاورة أكثر حرصاً على منع انتقال الصراع إلى أراضيها، والثاني استراتيجي يتعلق بإعادة تشكيل توازنات الإقليم، إذ تنظر إريتريا إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي، نظراً لموقعها الجغرافي وارتباطاتها بمجموعات قبلية سودانية.
تنافس إقليمي دولي على البحر الأحمر
أوضح كرار أن هذا التقارب لا ينفصل عن التنافس الإقليمي والدولي الدائر في منطقة البحر الأحمر، حيث تتنافس قوى إقليمية عدة أبرزها مصر والسعودية والإمارات وتركيا وإثيوبيا، إلى جانب حضور متزايد لقوى دولية كالولايات المتحدة والصين وروسيا، وكل طرف يسعى لتأمين مصالحه عبر الموانئ وخطوط الملاحة والقواعد العسكرية والنفوذ السياسي.
ونبّه كرار إلى أن إثيوبيا، التي تسعى منذ سنوات للحصول على منفذ بحري دائم، أصبحت أحد أهم عناصر إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي، ما يدفع دولاً مثل إريتريا لبناء شراكات سياسية وأمنية تحول دون أي تغيير جذري في موازين القوى قد يهدد مصالحها.
هل هو تحالف استراتيجي مكتمل؟
اعتبر كرار أنه من المبكر وصف هذا التقارب بأنه “تحالف استراتيجي مكتمل الأركان”، إذ إن التحالفات الدائمة تحتاج إلى أسس اقتصادية ومؤسسية واضحة تشمل اتفاقيات للتجارة والاستثمار وربط البنية التحتية، مشيراً إلى أن العلاقة حتى الآن يغلب عليها الطابع السياسي والأمني الذي فرضته ظروف الحرب.
وحدد كرار ثلاثة متغيرات رئيسية ستحدد مستقبل هذه العلاقة:
- مآلات الحرب الدائرة في السودان.
- طبيعة التنافس الإقليمي على منطقة البحر الأحمر.
- قدرة دول القرن الأفريقي على بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة بعيداً عن الاستقطابات الدولية.
وأوضح أنه في حال نجح السودان في استعادة استقراره، فقد يتحول هذا التقارب إلى شراكة استراتيجية تشمل التنمية الاقتصادية وربط الموانئ، أما إذا استمرت الحرب وتصاعدت التدخلات الخارجية، فمن المرجح أن يبقى التقارب مجرد تحالف سياسي وأمني مؤقت فرضته الضرورات.
علاقة تاريخية تفرضها الجغرافيا والديموغرافيا
من جانبه، يرى نائب مدير مركز الراصد للدراسات السياسية والاستراتيجية، د. الفاتح عثمان محجوب، أن العلاقة بين السودان وإريتريا علاقة قديمة جداً فرضتها الجغرافيا والديموغرافيا معاً، كونهما دولتين جارتين تجمعهما قبائل مشتركة وانتشار الطريقة الختمية، إلى جانب تقاسمهما الجزء الجنوبي من الساحل الغربي للبحر الأحمر.
وأوضح محجوب أنه رغم العلاقات الوثيقة بين حكومتي البلدين، فإنها لم تُترجم بعد إلى تحالفات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية فعلية، وأن كل ما يُقال عن التقارب السوداني الإريتري يظل مجرد تعاون في بعض الملفات السياسية دون تطور إلى اتفاقيات ملموسة حتى الآن، لافتاً إلى أن دول الجوار، خصوصاً إثيوبيا، تتوجس دوماً من هذا التقارب خشية تحوله إلى تحالف حقيقي بين البلدين.
هل يتحول التقارب إلى تحالف عسكري ضد إثيوبيا؟
أكد محجوب أنه ما لم يحدث صدام حقيقي بين أي من الدولتين وإثيوبيا، فلن يتحول التقارب الحالي إلى تحالف عسكري ضدها، لكنه أشار إلى أن مجرد وجود علاقات قوية بين الخرطوم وأسمرا يجعل من احتمالية هذا التحالف رادعاً قوياً في وجه إثيوبيا، حتى لو ظل احتمالاً غير مرجح في ظل الطبيعة السياسية للقيادة الإريترية التي يصعب عليها الالتزام الطويل الأمد تجاه أي دولة بحسب وصفه.
إريتريا.. لاعب صاعد في معادلة القرن الأفريقي
يشير تقرير صادر عن منصة “Horn Focus” إلى أن مرحلة فرض النفوذ عبر المال والتحالفات المؤقتة تواجه تحديات متزايدة، في وقت تؤكد فيه دول القرن الأفريقي على أهمية السيادة الوطنية والتحكم في موقعها الاستراتيجي. ويضع التقرير هذه التطورات في إطار صراع أوسع حول النفوذ والسيادة في المنطقة، معتبراً أن إريتريا باتت أحد اللاعبين المؤثرين في معادلة البحر الأحمر، مستندة إلى موقعها الجغرافي وحضورها السياسي في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية.



