شركات بلا عقود مكتملة… وإيرادات خارج دائرة اليقين: من يحرس المال العام في المطارات؟

شركات بلا عقود مكتملة… وإيرادات خارج دائرة اليقين: من يحرس المال العام في المطارات؟
مصطفى سليمان
في المؤسسات التي تدير مرافق سيادية، لا يبدأ الخلل عندما تختفي الأموال، وإنما يبدأ عندما تضعف الضوابط التي تكفل وصولها كاملة إلى خزينة المؤسسة. فالمال العام لا يُهدر بالضرورة بفعل تجاوزات مباشرة، وإنما قد يتسرب أيضًا بسبب ضعف الرقابة، وغياب الحوكمة، وتحول الاستثناء إلى قاعدة في إدارة الموارد.
هل تضبط القوانين الجديدة المال العام في السودان؟
ومن الملفات التي تستحق الوقوف عندها بجدية،مايردده البعض عن استمرار بعض الشركات في ممارسة أنشطتها داخل المطارات دون استكمال أوضاعها التعاقدية مع شركة مطارات السودان المحدودة، مع استمرار التعامل المالي معها وتحصيل الرسوم والإيرادات بالعملتين المحلية والأجنبية. وهذه الحالة، إن وجدت، تطرح تساؤلات مشروعة تستحق الإجابة.
فإذا كانت العلاقة التعاقدية هي الإطار القانوني الذي يحدد الحقوق والالتزامات وآليات التحصيل والرقابة، فكيف تستمر المعاملات المالية في ظل عقود غير مكتملة أو غير محدثة؟
ومن هي الجهة التي تتحمل مسؤولية التأكد من أن جميع المستحقات تُحصّل وتُورد وفق الإجراءات المالية والقانونية السليمة؟
ولا يقتصر الأمر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى الجانب المالي والرقابي. فغياب العقود المكتملة قد يضعف القدرة على مراجعة الرسوم المستحقة، ويحد من فاعلية المساءلة، كما قد يخلق بيئة يصعب معها التحقق من أن جميع الإيرادات المستحقة قد دخلت بالفعل إلى خزينة الشركة.
وتزداد أهمية هذا الملف عندما يتعلق الأمر بإيرادات تُحصّل بالعملات الأجنبية، حيث تصبح الحاجة إلى رقابة أكثر إحكامًا وشفافية أعلى، لأن أي قصور في إجراءات التحصيل أو التوريد أو المطابقة قد ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات الفعلية للشركة.
كما تفرض طبيعة هذا الملف عددًا من الأسئلة الجوهرية:
– هل توجد قاعدة بيانات محدثة تضم جميع الشركات العاملة داخل المطارات؟
– هل تخضع تلك الشركات لمراجعة مالية وتعاقدية دورية؟
– هل تتم مطابقة الإيرادات المحصلة مع حجم النشاط الفعلي لكل شركة؟
– وهل توجد أنظمة رقابية وإلكترونية تضمن توريد كل الإيرادات إلى الحسابات الرسمية دون أي فجوات؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوجود مخالفات، لكنه يعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحوكمة والرقابة الداخلية، خاصة في مؤسسة تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات التشغيلية.
كما أن استمرار أي شركة في مزاولة نشاطها دون استكمال وضعها التعاقدي، إن ثبت، يستوجب مراجعة الأسباب التي أدت إلى ذلك، وتحديد المسؤوليات الإدارية المرتبطة به، لأن سيادة القانون تقتضي أن تُطبق الإجراءات على الجميع دون استثناء.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بعد اكتشاف الخسائر، وإنما يبدأ بإغلاق منافذ الهدر قبل أن تتحول إلى واقع مالي مؤثر. ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء مراجعة مستقلة لجميع العقود، وحصر الشركات العاملة، ومطابقة الإيرادات التشغيلية مع الإيرادات الموردة، ومراجعة حسابات العملات الأجنبية، وتعزيز أنظمة التحصيل والرقابة الداخلية.
فالشفافية ليست شعارًا يُرفع، وإنما ممارسة يومية تحمي المال العام وتعزز ثقة العاملين والرأي العام في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أؤكد أن ما أطرحه في هذا المقال لا يستند إلى انطباعات أو استنتاجات مجردة، وإنما إلى حقيقة تستحق الفحص والمراجعة. وأعلن استعدادي الكامل للادلاء بها إلي أي لجنة مراجعة أو جهة تحقيق مختصة يتم تشكيلها وفق القانون، إيمانًا مني بأن الهدف ليس توجيه الاتهامات أو التشهير بأي جهة أو شخص، وإنما تمكين الجهات المختصة من أداء دورها في التحقق من الوقائع، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، وصون المال العام.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: هل تعكس الإيرادات التي تدخل خزينة شركة مطارات السودان المحدودة كامل ما تستحقه من عوائد أنشطتها، أم أن هناك فجوة تستوجب المراجعة؟
إن الإجابة لا ينبغي أن تُبنى على الانطباعات، وإنما على مراجعة مهنية مستقلة، لأن حماية المال العام تبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة، وتنتهي بكشف الحقيقة …



