السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟

السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟
عبد العزيز الزبير باشا

علمنا التاريخ أن أخطر الحروب هي التي تُلبس لباس “السلام”، ومن أخطر هذه الأدوات ما سمي بـ”مؤامرة السلام التكافئي”؛ وهو سلام يقوم على ابتزاز الدول الضعيفة مقابل التنازل عن سيادتها وقرارها الوطني.

كيف نجا السودان من الفخ الذي دبروه سراً ؟

هذا المفهوم لم يأت من فراغ؛ له جذور في مشاريع غربية معروفة مثل مشروع “إتش آر 1939” (HR1939) الذي حاول إعادة صياغة علاقات الدول الأفريقية مع العالم على أساس التبعية لا التكافؤ.

واليوم، وبينما يدور الحديث حول البحر الأحمر، نقف أمام نفس الاختبار: هل نقبل بسلام الخضوع؟ أم نؤسس للسلام المبني على المصلحة الوطنية العليا؟

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، هو ورقة قوة إستراتيجية

تشريح “مؤامرة السلام التكافئي”

هذه المؤامرة لها 3 مراحل ثابتة تكررت في دول كثيرة:

الإنهاك: خلق أزمات اقتصادية وأمنية وإعلامية لإقناع الدولة بأنها "محتاجة للإنقاذ".
العرض: تقديم "حل سحري" في شكل اتفاقية أو قاعدة أو مساعدات تبدو بريئة.
الثمن: رهن القرار السيادي، تحويل الدولة لساحة صراع، وربط اقتصادها بالخارج.
النتيجة واحدة في كل التجارب: دولة بلا قرار، وشعب بلا سيادة، وثروات منهوبة. هذا ليس سلاما، هذا استعمار بالوكالة.

البحر الأحمر.. ساحة الاختبار الأكبر

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، هو ورقة قوة إستراتيجية.

واليوم مع الحديث عن إنشاء “نقطة دعم لوجستي” أجنبية، تظهر أمامنا صورة طبق الأصل من “مؤامرة السلام التكافئي”:
الخيار الأول: منطق الخضوع: نوافق على أي وجود مقابل وعود فضفاضة. النتيجة: توتر مع الجوار، عقوبات، تحويل أرضنا إلى هدف.

الخيار الثاني: منطق المصلحة الوطنية العليا: نحول الموقع إلى شراكة اقتصادية حقيقية. النتيجة: عائدات بالدولار + وظائف + استثمار في البنية التحتية + سيادة كاملة.
الفرق بين الخيارين هو فرق بين دولة حرة ودولة تابعة.
أركان “السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا”

هذا هو البديل الذي نطرحه على مؤسسات الدولة والرأي العام:

التكافؤ وليس الإملاء: أي اتفاق يجب أن يحقق عائدا مباشرا وملموسا للشعب السوداني؛ لا اتفاقيات صدقة ولا منح مشروطة.
السيادة المطلقة وغير القابلة للمساومة: أي وجود أجنبي يجب أن يكون محدد المدة، خاضعا للقانون السوداني، وتحت الإدارة السيادية الكاملة. لا مناطق خارج السيادة ولا حصانات مطلقة.

الشفافية المؤسسية: قرار بهذا الحجم لا يصدر من الغرف المغلقة. يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة ويعلن للشعب؛ السرية هي بداية الخيانة.
عدم الاستقطاب: السودان دولة محورية نتعاون مع الشرق والغرب، ولكن لا نكون معسكرا ضد أحد. مصالحنا هي بوصلتنا الوحيدة.

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار

دروس مشروع “إتش آر 1939”

عندما نعود لمشروع “إتش آر 1939” نجد أنه كان يحاول فرض وصاية سياسية واقتصادية على دول المنطقة تحت شعار “المساعدة”.
الدرس المستفاد: الدول التي قبلت بالوصاية فقدت قرارها، والدول التي اشترطت التكافؤ والاحترام، كسبت شراكات حقيقية.
نحن في السودان دفعنا ثمن القرارات الفردية والاتفاقيات السرية، ولن نكرر الخطأ.
البعد الإقليمي والدولي

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار.
يجب أن يكون مطمئنا بأن الهدف تنموي تجاري وليس عسكريا استفزازيا، وأن يعزز دور السودان كجسر ربط بين القارات، لا كساحة صراع.
السودان القوي المستقر هو مصلحة لكل الإقليم.
من يصنع القرار؟

القرار الإستراتيجي لا يصنعه فرد ولا مجموعة، يصنعه إجماع مؤسسي قائم على تقدير المصالح الوطنية العليا.
على الحكومة التنفيذية ومجلس السيادة والقوى السياسية الوطنية أن تتوافق على ميثاق واضح: لا تفريط في السيادة، ونعم للشراكة الاقتصادية العادلة.

الرسالة واضحة للداخل والخارج: السيادة أولا، التنمية ثانيا، الكرامة ثالثا. نحن نريد سلاما.

ولكن سلام الأقوياء، سلام الشرفاء، سلام يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة.

نرفض “مؤامرة السلام التكافئي” بكل أشكالها القديمة والجديدة، ونتمسك بـ”السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا” الذي يبني دولة مؤسسات قوية.

إن مصالح السودان الإستراتيجية لا تدار من الخارج. السودان يحكم بإرادة شعبه وبقوة مؤسساته.

هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه الجميع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.