ابراهيم شقلاوي يكتب: السودان… مزاد السياسة ولعنة السلطة

هناك دول تصبح ثرواتها نعمة لأنها تمتلك مؤسسات تحميها، بينما تتحول الثروة في دول أخرى إلى لعنة تستدعي الصراع والتدخلات. ويبدو أن السودان، منذ استقلاله في الأول من يناير 1956، ظل عالقًا بين هذين المصيرين، دولة أغناها الله بالموارد، لكنها عجزت عن بناء منظومة سياسية قادرة على إدارتها، فتحولت السلطة إلى غاية في ذاتها، والسياسة إلى سوق مفتوح للمساومات الداخلية والخارجية.

لعنة الانشقاقات تهدد حلم الدولة المدنية في السودان

السودان دولة ضاربة في جذور التاريخ، حباها الله أراضي زراعية واسعة، وموارد مائية ومعدنية ضخمة، وموقعًا جيوسياسيًا استثنائيًا يربط العالم العربي بإفريقيا، بساحلٍ يمتد لنحو 820 كيلومترًا على البحر الأحمر، وهي مقومات كانت كفيلة بصناعة قوةٍ إقليمية فاعلة. لكن النخب السياسية، المدنية والعسكرية، قدّمت صراع السلطة على مشروع الدولة، فغدت أزمة السودان أزمة مؤسسات وحوكمة، لا أزمة موارد أو إمكانات.

لذلك ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، لم يكن السؤال المركزي: كيف نبني دولة حديثة؟ وإنما: من يحكم؟ وبين السؤالين ضاعت سبعة عقود من عمر الوطن. هكذا تشكلت لعنة السلطة في السودان. انقلاب يعقبه انتقال سياسي، وانتقال يفضي إلى انقسام حزبي، ثم حكومة هشة، فأزمة أمنية، فعودة إلى الحكم العسكري، ثم تبدأ الدورة من جديد. تغيرت الحكومات، وتبدلت الشعارات، لكن العقل السياسي ظل أسير الفكرة نفسها، أن السلطة غنيمة بلا مسؤولية، وأن الدولة وسيلة للنفوذ، لا إطار لتحقيق التنمية والعدالة.

لقد منحت الجغرافيا بلادنا مقومات نادرة موقع وثروات، لكن ضعف الدولة ومؤسساتها بدّد ميزة هذه المقومات، فبدل أن تكون أساسًا للتنمية والرافعة الوطنية، تحولت إلى ساحة للتنافس المحلي والإقليمي والدولي، وأصبحت الموارد التي كان يفترض أن تمول التنمية جزءًا من اقتصاد الحرب.

وهنا لا يمكن فهم الحرب الراهنة بمعزل عن هذا السياق. فهي ليست مجرد تمرد داخلي على السلطة، بل صراع تداخلت فيه المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. وقد أشار مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى أن الطمع في الموارد يمثل أحد العوامل المغذية للصراع، في إشارة إلى أن الثروات الطبيعية، وعلى رأسها الذهب والموارد الاقتصادية، أصبحت جزءًا من معادلة الحرب والنفوذ.

لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية الأزمة يظل قراءة ناقصة، فالقوى الخارجية لا تصنع الفراغات، لكنها تنفذ إليها وتستثمر في هشاشتها. فجوهر الأزمة لا يكمن فقط في حجم التدخل الخارجي، بل في البنية الداخلية التي أضعفت الدولة وفتحت المجال أمام النفوذ والتجاذبات. فكلما غابت المؤسسات وتراجعت القدرة الوطنية على إدارة الخلافات، اتسعت مساحة التدخلات وأصبح الداخل بوابةً لتأثير الخارج.

فمنذ الاستقلال، انشغلت النخب السياسية بسؤال الوصول إلى السلطة أكثر من سؤال بناء الدولة. توالت الانقلابات والانتقالات السياسية، وتبدلت الحكومات والتحالفات، لكن الثقافة السياسية بقيت أسيرة منطق واحد، السلطة غنيمة، والدولة وسيلة، والمواطنة امتياز مرتبط بموازين القوة.

ولم يكن هذا الخلل مسؤولية طرف واحد فقط ، فقد أخفقت القوى المدنية والعسكرية على السواء في بناء مشروع وطني تتقدم فيه المؤسسات والتنمية على صراعات النفوذ. فتحولت السياسة من تنافس حول برامج إدارة الدولة إلى صراع على السلطة، فتراجعت ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والإنتاج، ووجدت التدخلات الخارجية بيئةً خصبة للتمدد. فالسودان بموقعه وثرواته، لم يكن هدفًا للنفوذ بسبب موارده فقط، بل بسبب السعي للتأثير في مسار الدولة وشكل السلطة المقبلة.

وخلال مراحل الانتقال المختلفة، برزت مقاربات خارجية تعاملت مع المشهد السياسي بمنطق انتقائي، عبر دعم قوى واستبعاد أخرى وفق حسابات إقليمية ودولية. ومن أكثر القضايا جدلًا التعامل مع بعض التيارات السياسية باعتبارها خارج المعادلة مسبقًا، لا عبر صناديق الاقتراع. غير أن جوهر الديمقراطية يقوم على حق الشعب في اختيار ممثليه، وأن الإقصاء السياسي لا يكون بقرار خارجي، بل عبر منافسة حرة تحكمها الدستور والقانون. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وإنما احترام إرادة المجتمع بكل مكوناته ما دام الاحتكام سلميًا ودستوريًا.

إن مأزق السودان ليس في قلة موارده، بل في ضعف الدولة أمام ثرواتها. فالمصالح الخارجية جزء من منطق العلاقات الدولية، لكن هشاشة المؤسسات أضعفت قدرة البلاد على حماية الوطن. لذلك لا يبدأ التعافي بحسم الحرب وتشكيل حكومة جديدة فقط، بل بإعادة بناء مفهوم السياسة، بحيث تصبح السلطة وسيلة لبناء الدولة، والأحزاب أدوات لصناعة السياسات، والدولة إطارًا جامعًا لا ساحةً للصراع والمحاصصة.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن أزمة السودان لم تكن يومًا في غياب الموارد، بل في ضعف الدولة عن إدارة ثرواتها وتحويلها إلى قوة وطنية. فقد التقت ثروةٌ جذبت أطماع الآخرين مع سياسةٍ أرهقتها صراعات السلطة، فكانت النتيجة لعنةً أضعفت الدولة ومزادًا سياسيًا بدد فرصها. والخروج من هذا المأزق يبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس المؤسسات وسيادة القانون، وتحويل التنافس من صراع على الحكم إلى مشروع لبناء البلاد، فحين تصبح السلطة وسيلة لخدمة الوطن لا غاية للاستحواذ عليه، تبدأ نهاية اللعنة وبداية الدولة.




إبراهيم شقلاوي

كاتب سياسي وباحث في الإعلام التنموي، عضو الاتحاد العام للصحفيين السودانيين.. له كتابات منشورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.