الحظر الأوروبي على الطيران السوداني… هل يبدأ طريق الخروج بإصلاح المؤسسة؟

الحظر الأوروبي على الطيران السوداني… هل يبدأ طريق الخروج بإصلاح المؤسسة؟

بقلم: إبراهيم عدلان

في الوقت الذي تجتمع فيه سلطات الطيران المدني الأفريقية في القاهرة، تحت مظلة منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) واللجنة الأفريقية للطيران المدني (AFCAC)، لمناقشة مستقبل النقل الجوي في أفريقيا، وتحرير الأجواء، وتعزيز السلامة الجوية، يظل سؤال الحظر الأوروبي حاضراً بقوة في أروقة المؤتمر، وإن لم يُطرح على المنصة.

الحظر الأوربي على شركات الطيران السودانية : ملف مغلق آن الاوان لفتحه “1”

فالقارة التي تتطلع إلى مضاعفة حركة النقل الجوي، وإقامة سوق أفريقية موحدة للطيران، ما زالت ترى عدداً من شركاتها، بل وبعض دولها، تواجه قيوداً تحد من وصولها إلى السوق الأوروبية، في الوقت الذي تحلق فيه شركات الطيران الأوروبية إلى معظم المطارات الأفريقية دون عوائق تذكر.

وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر في كثير من العواصم الأفريقية:

هل تستخدم أوروبا قائمة السلامة الجوية أداةً لكبح التوسع الأفريقي في سوق النقل الجوي، أو وسيلةً غير مباشرة للحد من الهجرة، بينما تواصل شركاتها التمتع بحرية الوصول إلى الأسواق الأفريقية؟

إنه سؤال مشروع، لكنه لا يحتمل إجابة عاطفية.

فمن الناحية الرسمية، يؤكد الاتحاد الأوروبي أن قراراته تستند إلى معايير السلامة الجوية وحدها، وأن الإدراج في قائمة السلامة الأوروبية يتم بناءً على تقييم قدرة الدولة على ممارسة الرقابة الفعالة على شركات الطيران، وفقاً لمعايير منظمة الطيران المدني الدولي، ونتائج برامج التدقيق والتفتيش الفني.

ولا توجد أدلة قانونية تثبت أن قائمة السلامة الأوروبية وُضعت لتحقيق أهداف اقتصادية أو للحد من الهجرة.

ولكن، في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل أن النقل الجوي أصبح أحد أدوات القوة الاقتصادية، وأن الناقلات الأوروبية تستفيد من الوصول إلى معظم الأسواق الأفريقية، بينما تجد شركات أفريقية كثيرة نفسها خارج السوق الأوروبية، وهو واقع يخلق اختلالاً في ميزان المنافسة، حتى وإن كان مبرره الرسمي هو السلامة الجوية.

وبالنسبة للسودان، فإن السؤال الأهم ليس: هل أوروبا عادلة أم لا؟

بل هو:

كيف يستعيد السودان ثقة المجتمع الدولي ويخرج من هذا الحظر؟

والإجابة، في تقديري، لا تبدأ في بروكسل، وإنما تبدأ في الخرطوم.

المشكلة ليست في الحظر… بل في المؤسسة

كثيرون يعتقدون أن رفع الحظر الأوروبي يحتاج إلى مخاطبة الاتحاد الأوروبي أو تنظيم حملات دبلوماسية.

وهذا جزء صغير من الحل.

أما الجزء الأكبر فيبدأ من داخل الدولة.

فالطيران المدني لم يعد مرفقاً خدمياً كما كان قبل خمسين عاماً، بل أصبح صناعة استراتيجية ترتبط بالاقتصاد الوطني، والاستثمار، والسياحة، والتجارة، والأمن، والتكنولوجيا، والعلاقات الدولية.

ولذلك فإن الدول التي نجحت في بناء صناعة طيران قوية لم تكتف بامتلاك شركات طيران، بل أنشأت مؤسسات مستقلة تقود هذا القطاع وفق مبادئ الحوكمة والشفافية والاستقلال الفني.

ومن هنا، فإن استمرار تبعية سلطة الطيران المدني لوزارة الدفاع، مهما كانت مبرراته في ظروف سابقة، لم يعد يتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة.

ولا يعني ذلك أن هذه التبعية هي السبب القانوني للحظر الأوروبي، إذ لا يوجد نص في اتفاقية شيكاغو أو في تشريعات الاتحاد الأوروبي يمنع أن تتبع سلطة الطيران المدني لوزارة الدفاع.

لكن المجتمع الدولي لا ينظر إلى النصوص وحدها، بل ينظر أيضاً إلى البيئة المؤسسية، ومدى استقلال الجهة الرقابية، وقدرتها على اتخاذ قراراتها الفنية بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو تشغيلية، وإلى وضوح الفصل بين الجهة المنظمة والجهات المشغلة.

ولهذا فإن السودان يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد إعادة هيكلة إدارية.

إنه يحتاج إلى إعادة تأسيس منظومة الطيران المدني بالكامل.

وزارة للطيران المدني… أم مجلس أعلى؟

إن نقل تبعية سلطة الطيران المدني إلى وزارة النقل قد يحل جانباً من المشكلة، لكنه لا يقدم رؤية استراتيجية لهذا القطاع.

ولهذا فإن الخيار الأفضل هو إنشاء وزارة مستقلة للطيران المدني، أو مجلس أعلى للطيران المدني يتبع مباشرة لمجلس الوزراء.

وتكون هذه الجهة مسؤولة عن رسم السياسة الوطنية للطيران، والإشراف على سلطة الطيران المدني، والمطارات، وخدمات الملاحة الجوية، والتدريب، وأمن الطيران، والعلاقات الدولية، مع المحافظة على الفصل الكامل بين الجهة المنظمة والجهات المشغلة، وفقاً للممارسات التي توصي بها منظمة الطيران المدني الدولي.

إن إنشاء هذه الآلية ليس استجابةً لمطلب أوروبي، وإنما استجابة لحاجة وطنية، لأن السودان يحتاج إلى مؤسسة قادرة على قيادة إعادة إعمار قطاع الطيران لعقود قادمة.

خارطة طريق للخروج من الحظر الأوروبي

إذا أراد السودان أن يخرج من قائمة الحظر الأوروبية، فإن ذلك يتطلب برنامجاً وطنياً واضحاً، يقوم على الخطوات الآتية:

أولاً: إنشاء وزارة للطيران المدني أو مجلس أعلى للطيران المدني يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، ويقود إصلاح القطاع.

ثانياً: إعادة بناء سلطة الطيران المدني، وتوفير الكوادر المؤهلة والموارد اللازمة لممارسة الرقابة الفعالة.

ثالثاً: تحديث قانون الطيران المدني ولوائحه التنفيذية بما يتوافق مع ملاحق اتفاقية شيكاغو.

رابعاً: إعادة تأهيل المطارات، وأنظمة الملاحة الجوية، والاتصالات، والأرصاد الجوية، وخدمات الإنقاذ والإطفاء.

خامساً: استكمال تطبيق برنامج الدولة للسلامة (SSP)، وإلزام جميع المشغلين بتطبيق نظم إدارة السلامة (SMS).

سادساً: توقيع مذكرة تفاهم مع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) لوضع برنامج وطني لإعادة بناء قطاع الطيران المدني، يشمل التشريعات، والرقابة، والتدريب، والسلامة، وبناء القدرات، مع متابعة دورية لتنفيذ البرنامج.

سابعاً: توقيع مذكرة تفاهم مع اللجنة الأفريقية للطيران المدني (AFCAC) لتقديم الدعم الفني، وتدريب الكوادر السودانية، والاستفادة من الخبرات الأفريقية، وربط السودان مجدداً بمبادرات التكامل القاري، وفي مقدمتها السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي.

ثامناً: توجيه خطاب رسمي إلى المفوضية الأوروبية لطلب إطلاق برنامج شراكة فنية يهدف إلى رفع الحظر، مع تحديد خارطة طريق مشتركة، وجدول زمني، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

تاسعاً: السعي إلى إقامة ترتيبات عمل فنية مع وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) للاستفادة من خبراتها في بناء أنظمة الرقابة والتدريب والتأهيل.

عاشراً: تلتزم كل شركة طيران سودانية باختيار طائرتين من أسطولها لتكونا نموذجاً للامتثال الكامل للمعايير الدولية، مع استكمال جميع متطلبات الصيانة، والتوثيق، والتدريب، وأنظمة إدارة السلامة.

الحادي عشر: تعمل شركات الطيران السودانية على الحصول على اعتماد IOSA الصادر عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، باعتباره أحد أهم مؤشرات الجودة التشغيلية والسلامة على المستوى الدولي، وإن لم يكن شرطاً قانونياً أوروبياً بحد ذاته.

الثاني عشر: اختيار ثلاث شركات طيران سودانية لتكون المرحلة الأولى في برنامج التقييم الفني، والسعي إلى خضوعها لتقييمات أوروبية متخصصة، وتنفيذ جميع الإجراءات التصحيحية المطلوبة، بحيث تصبح هذه الشركات نموذجاً لعودة الناقلات السودانية إلى السوق الأوروبية.

الثالث عشر: تشكيل اللجنة الوطنية لرفع الحظر الأوروبي عن الطيران السوداني، برئاسة رئيس مجلس الوزراء أو وزير الطيران المدني، وتضم سلطة الطيران المدني، ووزارات الخارجية والعدل والمالية، وشركات الطيران الوطنية، وخبراء مستقلين، وتتولى الإشراف على تنفيذ خارطة الطريق، والتنسيق مع ICAO وAFCAC وEASA والمفوضية الأوروبية، ورفع تقارير دورية عن التقدم المحرز.

كلمة أخيرة

إن رفع الحظر الأوروبي لن يتحقق بخطاب سياسي، ولن يكون منحة تقدمها أوروبا للسودان.

إنه نتيجة طبيعية عندما يقتنع المجتمع الدولي بأن السودان أعاد بناء مؤسساته، واستعاد استقلالية سلطته الرقابية، وأقام شراكات فنية مع المنظمات الدولية، وأثبت أن سلامة الطيران أصبحت ثقافة مؤسسية وليست مجرد استجابة مؤقتة لضغوط خارجية.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نقنع أوروبا برفع الحظر؟

بل أصبح:

كيف نبني مؤسسة طيران مدني تجعل فرض أي حظر على السودان أمراً غير مبرر في المستقبل؟

وعندما ننجح في بناء تلك المؤسسة، فلن يكون رفع الحظر سوى النتيجة الطبيعية، وستكون عودة الطيران السوداني إلى الأجواء الأوروبية بداية لعودة السودان إلى مكانه الذي يستحقه في صناعة الطيران العالمية.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.