إبراهيم شقلاوي يكتب: جهد الشرطة وخذلان الخدمات


جهد الشرطة وخذلان الخدمات
ابراهيم شقلاوي
من المعلوم ان قدرة الدولة ما بعد الحرب تقاس في سرعتها علي استعادة الأمن، بجانب إعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي. لذلك الدولة التي تستعيد أمن شوارعها ، لكنها تعجز عن توفير مقومات الحياة اليومية ، تظل أمام اختبار صعب، لأن المواطن لا يرى مؤسسات الدولة مجزأة، بل ينظر إليها كمنظومة واحدة، نجاحها أو إخفاقها ينعكس علي معاشه مباشرة.
ابراهيم شقلاوي يكتب: السودان… والتحالف البحري الدفاعي
وفقًا لذلك يمكن قراءة الجهود الكبيرة التي تبذلها شرطة ولاية الخرطوم في إطار خطة ضبط الأمن وفرض هيبة الدولة. فالعمل الجاري هو جزء من معركة استعادة الأمن بعد فترة، خلفت فراغات أمنية واجتماعية معقدة.
لقد كشفت الأخبار والمشاهدات خلال الأيام الماضية عن حجم الجهد المبذول من خلال توقيف آلاف المتهمين، وانتشار الارتكازات الأمنية، وتسيير الأطواف المشتركة في محليات الولاية، واسترداد ممتلكات المواطنين المنهوبة، وملاحقة شبكات المخدرات، إلى جانب إزالة آلاف البؤر العشوائية وسحب أعداد كبيرة من المركبات ومخلفات الحرب. وهذه الإجراءات المهمة، تتجاوز الأرقام، لأنها تعني أن الدولة تعمل على استعادة السيطرة على مفاصل الاستقرار، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
إن أهمية الدور الذي تقوم به الشرطة في هذه المرحلة لا تكمن فقط في مكافحة الجريمة، وإنما في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالحرب تخلق أيضاً حالة من القلق وفقدان اليقين، ويكون أول طريق لاستعادة الاستقرار هو أن يشعر المواطن بأن هناك حكومة قادرة على حمايته، وأن القانون أصبح المرجعية الأساسية بين الحاكم والمحكوم .
ومن منظور سياسي، فإن أمن الخرطوم يمثل قضية تتجاوز حدود العاصمة، فالخرطوم هي مركز الدولة ورمزها السياسي والإداري والاقتصادي. وكلما استعادت العاصمة عافيتها الأمنية، اقتربت البلاد من استعادة الثقة. فالعواصم بعد النزاعات تكون نقطة البداية في إعادة بناء الدولة، لأن استقرارها يرسل رسالة بأن المؤسسات استعادة القدرة والنفوذ.
لكن النجاح الأمني مهما كان مهماً، يفتح الباب أمام استحقاق آخر لا يقل أهمية، وهو استقرار الخدمات. وهنا تظهر المفارقة التي يعيشها المواطن هذه الأيام فالشرطة تحقق تقدماً ملموساً في ملف الأمن، بينما لا تزال قطاعات الخدمات تواجه تحديات كبيرة تجعل المواطن يشعر بعدم الثقة .
إن أزمة خروج محطة كهرباء سد مروي وما ترتب عليها من قطوعات في عدد من الولايات بجانب انقطاع تام للمياه بمحلية كرري ذلك يمثل مثالاً واضحاً على هذا التحدي. فوزارة الطاقة أوضحت أن الحريق الذي أصاب بعض كوابل المحطة أدى إلى أضرار كبيرة في خطوط النقل الرئيسية، وأن الفرق الفنية تعمل على الإصلاح وتوفير البدائل. ورغم أن هذه الإجراءات تعكس تحركاً جيدا لمعالجة الأزمة، فإنها تكشف في الوقت ذاته حجم الضغط علي المواطن، والحاجة العاجلة إلى تسريع عمليات التأهيل والصيانة.
لذلك فالقضية ليست في المقارنة بين نجاح وزارة وتعثر أخرى، وإنما في فهم طبيعة المرحلة. فالدولة لا تستعيد عافيتها بجهاز شرطي قوي فقط، ولا بخدمات مستقرة فقط، بل بتكامل الأدوار بين مؤسساتها. فالأمن والخدمات تمنح المواطن الشعور بالاستقرار والتعافي لجميع المنظومات.
كما أن استدامة الأمن لا يمكن أن تقع على عاتق الشرطة وحدها. فالمواطن شريك أساسي في هذه المعادلة، من خلال التعاون مع الأجهزة المختصة، واحترام القانون، والإبلاغ عن مظاهر الجريمة والفوضى. فالدول تُبنى بالشراكة المجتمعية التي تجعل الأمن ثقافة عامة ينعم من خلالها الجميع.
وفي البعد الاقتصادي، وإستقرار الخدمات و الأمن يمثلوا شروطاً أساسية لعودة عجلة الإنتاج والاستثمار. فالتاجر والمستثمر والمواطن جميعهم يحتاجون إلى بيئة مستقرة قبل التفكير في إعادة البناء. وكل شارع آمن، وكل جريمة يتم احتواؤها، وكل مظهر من مظاهر الفوضى تتم إزالته، هو خطوة نحو استعادة النشاط الاقتصادي وتهيئة الخرطوم لمرحلة جديدة.
إن ما تقوم به الشرطة اليوم يمثل خطوة مهمة في مشروع استعادة الدولة، لكنه في الوقت نفسه يضع بقية المؤسسات أمام مسؤولية موازية، فنجاح الأمن يجب أن يجد ترجمة في تحسن الكهرباء والمياه ، حتى يشعر المواطن بأن الدولة عادت بكل وظائفها، لخدمة التعافي وتسريع وتيرة الاستقرار.
فالخرطوم اليوم لا تحتاج فقط إلى عودة الهدوء، بل إلى عودة الحياة. تحتاج إلى شرطة تحفظ الأمن، ومؤسسات توفر الخدمات، واقتصاد يعيد الأمل. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح التعافي واقعاً ملموساً.
لقد أثبتت التجارب بحسب #وجه_الحقيقة أن الأمن هو بداية الطريق، لكنه ليس نهايته. فالدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها في الشارع، وتخدمهم في منازلهم، وتمنحهم الثقة بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. ومن هنا فإن جهد الشرطة اليوم يجب أن يكون محل إشادة، لأنه يمثل خطوة إلى الأمام، لكن اكتمال النجاح سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على أن تجعل الأمن والخدمات وجهين لحقيقة واحدة: عودة الخرطوم إلى الحياة الطبيعية.
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 3 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com