مديونيات شركات الطيران.. هل آن الأوان لتطبيق معايير «إيكاو» لحماية حقوق مطارات السودان؟

مديونيات شركات الطيران.. هل آن الأوان لتطبيق معايير «إيكاو» لحماية حقوق مطارات السودان؟

مصطفى سليمان

في وقتٍ يسعى فيه قطاع الطيران السوداني إلى استعادة عافيته وإعادة بناء مؤسساته بعد الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، يبرز ملف مديونيات شركات الطيران كأحد أكثر الملفات المالية أهمية، لما له من تأثير مباشر على قدرة المطارات على تقديم خدماتها، وصيانة بنيتها التحتية، وتطوير مرافقها، وضمان استدامة عملياتها.

مديونيات شركات الطيران .. إذا أخذت الدولة فعليها أن تُعطي!

ورغم أن تحصيل رسوم الهبوط والإيواء، واستخدام المرافق، وخدمات الملاحة الجوية يمثل حقًا أصيلًا لمشغلي المطارات ومقدمي الخدمات، فإن تراكم المديونيات يضعف التدفقات النقدية، ويؤثر في قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية والاستثمارية.

وفي هذا الإطار، توفر منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) إطارًا قانونيًا وفنيًا متكاملًا يمكن أن يشكل مرجعًا لأي سياسة وطنية تهدف إلى إدارة المديونيات واستردادها وفق أفضل الممارسات الدولية.

المادة (15) من اتفاقية شيكاغو.. سند قانوني دولي :
تنص المادة (15) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944 على حق الدولة أو الجهة المشغلة للمطار في فرض رسوم عادلة مقابل استخدام المطارات وخدمات الملاحة الجوية، مع الالتزام بعدم التمييز بين شركات الطيران التي تقدم خدمات مماثلة.

ويعني ذلك أن المطالبة بسداد الرسوم ليست خيارًا إداريًا، وإنما حق قانوني تكفله اتفاقية دولية، شريطة أن تُطبق الرسوم بصورة عادلة وشفافة على جميع الناقلين دون استثناء.

وثيقة Doc 9082.. خارطة طريق لتحصيل المستحقات :
خصصت منظمة الطيران المدني الدولي في وثيقة Doc 9082 (الطبعة العاشرة – 2024) فصلًا كاملًا لسياسات تحصيل رسوم المطارات والملاحة الجوية، أوصت فيه بأن تعتمد الجهات المشغلة سياسة تحصيل واضحة تقوم على:
– تشريع وطني داعم.
– نظام فوترة دقيق ومنتظم.
– قاعدة بيانات محدثة للمديونيات.
– رقابة ائتمانية مستمرة.
– محاسبة دقيقة.
– إجراءات فعالة لاسترداد الديون.
– نظام عادل وشفاف لاسترداد التكاليف.

كما توصي الوثيقة بدراسة الانضمام إلى آليات المقاصة الدولية أو الإقليمية، بما يقلل من مخاطر التعثر ويُسرّع استرداد المستحقات.

وتشير الأدلة الإرشادية لـ”إيكاو” إلى عدد من الوسائل التي يمكن الاستفادة منها، من بينها المقاصة المالية، والاستفادة من اتفاقيات الخدمات الجوية الثنائية، وربط استمرار بعض الخدمات بانتظام السداد وفق ضوابط قانونية، إضافة إلى اللجوء للقضاء أو التحكيم التجاري عند الضرورة.

وتمثل هذه الأدوات وسائل قانونية وإدارية متعارفًا عليها دوليًا، يمكن توظيفها بما يحقق التوازن بين حماية المال العام واستمرار حركة النقل الجوي.

وخلال الفترة الماضية، ترددت معلومات في بعض الأوساط عن صدور قرارات بإعفاء جزء من مديونيات بعض شركات الطيران المستحقة للجهات المشغلة للمطارات.

إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن هذه الأنباء لا تستند إلى أي قرارات رسمية، وأنه لم يصدر ما يفيد بإسقاط أو إعفاء أي جزء من تلك المديونيات. وأوضحت المصادر أن جميع المستحقات لا تزال قائمة، وأن أي تسوية أو جدولة أو إعفاء – إن تم – يجب أن يتم وفق الأطر القانونية واللوائح المالية المعمول بها وبعد استيفاء الإجراءات الرسمية، وبما يحفظ المال العام ويحقق مبادئ الشفافية والمساءلة.

وأضافت المصادر أن الحفاظ على حقوق الدولة ومؤسساتها يتطلب التعامل مع ملف المديونيات وفق قواعد مؤسسية ثابتة، بعيدًا عن الاجتهادات أو المعالجات الاستثنائية التي قد تخلق سوابق يصعب تبريرها أمام بقية الناقلين.

ويرى مختصون أن المرحلة الحالية تمثل فرصة مناسبة لإعادة بناء منظومة تحصيل رسوم المطارات والملاحة الجوية في السودان، من خلال تبني سياسة مكتوبة تستند إلى معايير منظمة الطيران المدني الدولي، وتفعيل الرقابة الائتمانية، وتحديث قواعد بيانات العملاء، ومراجعة المديونيات بصورة دورية، وعدم السماح بتراكمها إلى مستويات يصعب استردادها.

كما أن تطبيق هذه المعايير من شأنه أن يعزز ثقة شركات الطيران في عدالة النظام المالي، وفي الوقت نفسه يحفظ حقوق الدولة، ويوفر الموارد اللازمة لتطوير المطارات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين وشركات الطيران.

وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يمر بها السودان، فإن حماية إيرادات قطاع الطيران لم تعد قضية مالية فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان استدامة تشغيل المطارات، ودعم خطط إعادة الإعمار، وتعزيز مكانة النقل الجوي السوداني على المستويين الإقليمي والدولي …




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.