عادل المفتي يكتب: هل أصبحت حرب السودان موسمًا للسفر والتنزه السياسي؟

هل أصبحت حرب السودان موسمًا للسفر والتنزه السياسي؟

عادل المفتي

ما بين مكالمةٍ يائسة قبل أسبوع، وأخرى مفعمة بالبهجة بعده، كان الفارق مجرد دعوة إلى ورشة ولقاء خارج البلاد. لحل مشكلة الوطن ؟ قالها ضاحكًا: “مع السلامة… ماشين بلاد العجائب … ورشة ولقاء ودولارات.” يعني ضائقته المعيشية اتحلت ونفسياته انصلحت بسبب السفر .. فوجدت نفسي أتساءل: هل أصبحت حرب السودان موسمًا لسفر السياسيين لتحسين المزاج ؟

عادل المفتي يكتب: معليش… معليش .. نحنا عندنا جيش

سؤال قد يكون قاسيًا… لكنه أصبح مشروعًا.

أقوله لأنني أعرف كيف تُدار مثل هذه المؤتمرات واللقاءات والورش ، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان، تلقيت دعوة للمشاركة في فعالية خارج البلاد. ولعلها كانت الأولى… والأخيرة.، كانت الجهة المنظمة هي التي تتحمل تكاليف السفر والإقامة والوجبات، إضافة إلى بدل يومي يبلغ تقريبا ثلاثمائة دولار ، لقد كنت مشدوها ومستغربا ! فقلت لهم ، جئت الي هنا لأساهم في سلام بلدي وكتر خيركم قطعتو التذكرة ودفعتو الفندق فلماذا تدفع لي مبالغ إضافية ؟ .. قال لي المنظم لا تستغرب فهذا أمر متعارف عليه عندنا ، وفي كثير من المؤتمرات والورش والفعاليات الدولية، وليس في ذلك ما يدعو للاستغراب.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نعيش واحدة من أقسى المراحل في تاريخ السودان، هو: ماذا قدمت كل هذه الورش ، والمؤتمرات واللقاءات بعد كل هذا الوقت؟

منذ اندلاع الحرب، ونحن نرى الحراك السياسي ينتقل من عاصمة إلى أخرى.
من جنيف إلى برلين… ومن نيروبي إلى أديس أبابا…
ومن انتيبي إلي باريس … ومن لندن إلى بيروت وغيرها من العواصم.
وحتي
الشخصيات نفسها… والخطابات نفسها…
والبيانات نفسها… والوعود نفسها…
وحتي ..
داخل السودان
الشخصيات الموالية نفسها
الخطابات نفسها .. والبيانات نفسها .. والوعود نفسها
لكن الفرق ، دي بي قروشنا .

أما السودان… الله معاه.
المواطن السوداني لا يريد أن يعرف كم مؤتمرًا عُقد، ولا كم ورقة قُدمت، ولا كم صورة جماعية التُقطت أمام أعلام الدول.
المواطن يريد إجابة بسيطة:
هل تحاورتم و اتفقتم وعلي ماذا ؟ ومتى تتوقف الحرب ؟ ومتي يستطيع المواطن ان يعيش في امان وسلام وعدل وعيشه رخية ؟

أكثر من ثلاث سنوات من الاجتماعات والحوارات والورش والبيانات الختامية، لكن المواطن لا يرى أثرًا حقيقيًا في حياته اليومية.

هنا ..

النازح ما زال بعيدًا عن بيته.
والجائع ما زال يبحث عن لقمة.
والمريض ما زال يبحث عن علاج.
والطفل ما زال يدفع ثمن حرب لم يخترها.

وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:

هل أصبحت هذه اللقاءات وسيلة حقيقية لإنقاذ السودان؟
أم أصبح السودان مجرد ملف ينتقل من قاعة اجتماع إلى قاعة أخرى؟

ليس عيبًا أن يسافر السياسي إذا كان سفره يحمل حلًا.
وليس عيبًا أن يجتمع إذا كان اجتماعه يوقف نزيف الدم.
وليس عيبًا أن يتحاور إذا كان الحوار يعيد الوطن إلى شعبه.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح السفر هدفًا، والمؤتمر إنجازًا، والبيان نهاية المطاف.

الشعب لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات الجميلة.
فقد حفظ عبارات لا للحرب ونعم للسلام ووقف الحرب ومواصلة الحوار ، عن ظهر قلب.

الشعب يريد أفعالًا.

يريد أن يرى نتائج على الأرض.

يريد أن يشعر أن هناك من يحمل همّه، لا أن يحمل فقط ملف قضيته من بلد إلي بلد ومن فندق إلى فندق ومن مطعم إلي آخر .

وبكل صراحة…

السودان لا يحتاج إلى سياحة سياسية.
ولا يحتاج إلى بيانات أنيقة تُكتب ثم تُحفظ في الأدراج.
ولا يحتاج إلى صور تذكارية أكثر من حاجته إلى قرارات شجاعة.
السودان يحتاج إلى رجال ونساء يشعرون بأنهم مسؤولون أمام الله وأمام التاريخ.

فالوطن ليس ورقة في مؤتمر.
وليس عنوانًا في بيان.
وليس فرصة للظهور الإعلامي.

الوطن هو أم تنتظر عودة ابنها.
وطفل يريد أن يعود إلى مدرسته.
ومزارع يريد أن يزرع أرضه.
وشعب يريد أن يعيش بكرامة وأمان.

وبالبلدي كده…وبدون زعل ؛

المقال ده خاص من الشعب وللشعب المكتوي بنار الحرب ، ولهيب السياسيين ، إذا كانت كل هذه الرحلات والاجتماعات لم توقف الحرب، ولم تُعد نازحًا إلى بيته، ولم تحفظ دم طفل، فمن حق الشعب السوداني أن يسأل:

هل أصبح بعض السياسيين يبحثون عن حلٍ للحرب… أم أصبحوا يتعايشون مع وجودها؟

هذا السؤال ليس اتهامًا…
لكنه سؤال فرضته النتائج.

وفي النهاية…

لا أحد يعترض على أن يبحث السياسي عن السلام في أي مكان، فالوطن يحتاج إلى كل جهد صادق و داخل السودان ووسط الشعب هو الأفضل .

لكن المؤلم أن يصبح الطريق إلى السلام أطول من طريق معاناة الناس، وأن تصبح الطائرة أسرع من الحل، والفنادق أهدأ من البيوت التي فقدت الأمن.

وبصراحة شديدة فليتذكر الجميع:

أن التاريخ لا يسأل كم سافرتم…
ولا كم مؤتمرًا حضرتم…
ولا كم ورقة قدمتم…

التاريخ سيسأل سؤالًا واحدًا فقط:

ما نتيجة سياحتكم؟ وماذا فعلتم عندما كان السودان ينزف والمواطن يعاني ؟

وسيبقى السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من أي مكسب سياسي عابر.

وهناك بصيص من امل ..

لجنة الأمل ورئيسها محمد وداعة وهو في شقته المتواضعه في نص القاهرة أعادوا اعداد كبيرة من السودانيين في العودة الطوعية الي اهلهم في السودان ، بدون سفر واعاشه او مؤتمرات وورش ومن مال سوداني خالص . لكم من شعبكم الشكر والتقدير .

وأخيرا .. يبقي الامل

ورغم قسوة الطريق، فإن الأمل لا يموت؛ لأن خلفه رجالًا من القوات المسلحة السودانية وجهاز الامن والمخابرات الوطني وداعميهم ، يقاتلون في الأحراش، ويودعون أرواحهم لله ثم للوطن، ليهبوا شعبهم الأمن والكرامة. إن تضحياتهم وإنتصاراتهم المتواصلة ليست مجرد صفحات من البطولة، بل هي الوعد الصادق بأن السودان سيبقى، وأن فجره سيشرق من جديد.

فالذين يتقدمون لقيادة الشعوب لا يحملون مجرد ألقاب، بل يحملون أمانة ثقيلة أمام الله وأمام التاريخ. فالوطن ليس فرصة للظهور، ولا ملفًا للتفاوض، ولا قضية تُدار من بعيد… الوطن دموع أمهات، وأحلام أطفال، وحقوق شعب ينتظر من يحفظ الأمانة.

قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
صدق الله العظيم

3 اغسطس ٢٠٢٦ م

Exit mobile version