بين الفراغ السياسي وثقل المؤسسة العسكرية… إلى أين تتجه العملية السياسية في السودان؟

بين الفراغ السياسي وثقل المؤسسة العسكرية… إلى أين تتجه العملية السياسية في السودان؟
عثمان شيخ الدين عكرة
كلما اقترب السودان من الحديث عن مرحلة سياسية جديدة، عاد السؤال القديم بثوب جديد: من يملك القدرة على قيادة الدولة؟ وهل توجد اليوم قوة سياسية تمتلك مشروعاً وطنياً متكاملاً يمكن أن ينافس على قيادة المرحلة بعيداً عن تأثير المؤسسة العسكرية؟
نزع الأراضي الاستثمارية غير المستغلة… استرداد لحق الأرض وإنهاء للاحتكار
من وجهة نظري، لا تبدو الساحة السياسية حتى الآن قد أفرزت تياراً وطنياً موحداً يمتلك الرؤية والتنظيم والقاعدة الشعبية الكافية لملء الفراغ الذي خلفته سنوات الحرب والانقسام. فالأحزاب تعاني من التشتت، والتحالفات تتبدل بسرعة، والخلافات بين القوى المدنية لا تزال أعمق من نقاط الاتفاق.
في المقابل، بقيت المؤسسة العسكرية، بحكم موقعها وإمكاناتها ودورها خلال سنوات الحرب، اللاعب الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد. وهذا الواقع لا يعني بالضرورة أن الجيش هو البديل الدائم للعمل السياسي، لكنه يعكس اختلالاً في ميزان القوة بين مؤسسة متماسكة نسبياً وقوى سياسية لم تستعد بعد قدرتها على المبادرة.
ومن هنا يبرز التساؤل: إذا اتجه السودان إلى انتخابات بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، فمن الذي سيطرح مشروعاً وطنياً يقنع المواطنين؟ وهل سيكون التنافس بين برامج سياسية حقيقية، أم بين أشخاص يستند كل منهم إلى مراكز القوة والنفوذ؟
إن نجاح أي عملية سياسية لن يقاس فقط بإجراء الانتخابات، وإنما بقدرة القوى المتنافسة على تقديم برامج تعالج قضايا الأمن، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، والعدالة، وبناء مؤسسات الدولة. فالمواطن الذي أنهكته الحرب يبحث عن دولة مستقرة وخدمات وفرص عمل أكثر من بحثه عن الشعارات.
لذلك، فإن التحدي الأكبر لا يتمثل في هوية المرشح للرئاسة، بل في قدرة الحياة السياسية السودانية على إنتاج قيادة تستمد مشروعيتها من برنامج وطني جامع وإرادة شعبية حرة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الجدل قائماً حول دور المؤسسة العسكرية وحدود مشاركتها في مستقبل الحكم، وسيبقى الفراغ الذي تعاني منه القوى السياسية أحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة.
وفي تقديري، فإن السودان لا يحتاج إلى مجرد انتقال للسلطة، بل إلى انتقال في طبيعة العمل السياسي نفسه؛ انتقال يجعل البرامج تتقدم على الأشخاص، والدولة تتقدم على المصالح الضيقة، والوطن يتقدم على كل الاستقطابات.




