ابراهيم شقلاوي يكتب: سد مروي… و هندسة التضليل


سد مروي… و هندسة التضليل
ابراهيم شقلاوي
كشفت أزمة الكهرباء الأخيرة ، ان سد مروي أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن القومي، فخروج المحولات الرئيسية عن الخدمة أحدث اضطرابًا واسعًا في الإمداد الكهربائي والمائي . لذلك من المهم مراجعة الروايات التي تصفه بالفشل ، بينما أثبت الواقع أنه من أهم دعائم صمود قطاع الكهرباء .
ابراهيم شقلاوي يكتب: الكهرباء: أزمة أم مؤامرة؟
ومن هنا يصبح من الضروري إعادة قراءة المقال الذي نشره الباحث معتز محجوب عثمان بعنوان: “لعنة سد مروي؟ أم لعنة القرض الربوي؟”.
تكمن المشكلة في المقال في تقديري في أنه لا ينطلق من الوقائع ليصل إلى الاستنتاج، وإنما ينطلق من استنتاج مسبق، ثم ينتقي من الوقائع ما يخدمه. وهذه واحدة من أكثر صور التضليل تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، إذ تُستخدم معلومات صحيحة جزئيًا للوصول إلى نتائج غير صحيحة كليًا.
استهل الكاتب مقاله بالحديث عن القروض التي مولت المشروع، والجدل الفقهي الذي صاحبها، ثم انتقل إلى التشغيل، ثم إلى شبكات النقل، ثم إلى مشروعات الري، قبل أن ينتهي إلى نتيجة مفادها أن سد مروي يمثل درسًا قاسيًا في فشل التنمية. لكن هذه النتيجة لا تصمد أمام الوقائع.
فإذا كانت القروض هي أصل الأزمة، فما علاقة اتفاقيات التمويل التي أبرمت قبل أكثر من عقدين بحريق وقع خلال حرب تستهدف البنية التحتية للدولة؟ وإذا كان التمويل هو المشكلة، فلماذا ظل السد طوال هذه السنوات يمثل المصدر الأكبر للكهرباء في البلاد؟ إن الجدل الفقهي الذي صاحب التمويل حُسم في زمانه داخل المؤسسات المختصة، أما أزمة الكهرباء الحالية فهي نتاج حرب عطلت محطات التوليد واستهدفت محطات التحويل وخطوط النقل، ولا علاقة سببية بين الأمرين.
ثم ينتقل المقال إلى الحديث عن تشغيل التوربينات، مستنتجًا أن عدم تشغيلها جميعًا دليل على فجوة بين الإمكانات والنتائج. وهذه أيضًا قراءة تفتقر إلى الدقة الفنية، لأن تشغيل جميع التوربينات في السدود الكهرومائية ليس هو الأصل، وإنما يخضع لمنسوب المياه، وإدارة الخزان، والطلب على الأحمال، وبرامج الصيانة الدورية. ولذلك فإن تشغيل أربع أو ست أو ثماني توربينات في ظروف معينة لا يعني وجود خلل في المشروع، بل يعكس طبيعة التشغيل الهندسي المعتادة في محطات التوليد المائي.
أما أكثر ما يلفت النظر، فهو الزعم بأن سد مروي أُنشئ دون تحديث شبكة النقل، وأن الكهرباء بقيت حبيسة موقع الإنتاج. وهذا الزعم يمكن التحقق منه بسهولة. فقد شمل المشروع إنشاء أكبر شبكة لنقل الكهرباء في تاريخ السودان، تجاوز طولها “1745” كيلومترًا، وربطت محطة التوليد بسبع محطات تحويل رئيسية عبر خطوط بجهدي “500” و”220″ كيلو فولت، امتدت إلى الخرطوم وعطبرة وبورتسودان والدبة ودنقلا ووادي حلفا. ولو لم تكن هذه الشبكة قد أُنشئت مع المشروع، لما وصلت كهرباء سد مروي أصلًا إلى معظم ولايات السودان.
ولا يختلف الأمر حين تعرض الكاتب لمشروعات الري والتنمية الزراعية، إذ إن تعثرها لا يعني فشل سد مروي، فقد اكتملت دراساتها ضمن رؤية تنموية متكاملة، لاسيما “مشروع ري مروي” لكن التحولات السياسية بعد 2019 وما صاحبها من تفكيك لوحدة تنفيذ السدود أوقف مسارًا تنمويًا قبل اكتماله. لذلك فإن تحميل السد مسؤولية نتائج قرارات سياسية لاحقة يخلط بين المشروع التنموي ولبيئته التي عطّلت استكمال أهدافه.
كما أن فلسفة المشروع لم تقف عند حدود إنتاج الكهرباء، بل شملت خفض تكلفة التوليد، والتوسع في الرقعة الزراعية، وتحفيز النشاط الصناعي، وتحسين الملاحة النهرية، والحد من أخطار الفيضانات، وإنشاء بنية تحتية ضمت الطرق والجسور والسكة الحديد والمطار والمستشفى، في إطار رؤية تنموية تنظر إلى الطاقة بوصفها قاطرة لإعادة تشكيل الاقتصاد.
والأخطر أن المقال يتجاهل حقيقة فرضتها الحرب، فمع خروج معظم التوليد الحراري من الخدمة أصبحت منظومة التوليد المائي، التي أنجزتها وحدة تنفيذ السدود، العمود الفقري للكهرباء في البلاد . فقد أثبت سد مروي “1250 ميغاواط” ،وتعلية الروصيرص “نحو 400 ميغاواط” ،ومشروع أعالي عطبرة وستيت “نحو 320–400 ميغاواط” ،أن هذه المشروعات لم تكن عبئًا، بل ركيزة أساسية لصمود قطاع الطاقة، وهي حقيقة كشفتها الحرب قبل أن تكشفها وثائق بحثية ومنشورات وزارة الطاقة.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى. فالحريق الأخير الذي استند إليه المقال باعتباره دليلًا على فشل سد مروي، هو في الحقيقة أقوى دليل على نجاحه الاستراتيجي. فالمشروع الذي يؤدي تعطل أحد خطوطه الرئيسية إلى تأثر الكهرباء والمياه في مساحات واسعة من البلاد، ليس مشروعًا هامشيًا، بل مشروع أصبح جزءًا من البنية العصبية للدولة. فالأزمات لا تكشف ضعف الأصول الاستراتيجية، وإنما تكشف حجم الاعتماد عليها.
ولعل أخطر ما في هذا المقال أنه يعيد توجيه بوصلة المسؤولية عمدًا من إدارة التشغيل إلى طبيعة المنشأة، في محاولة لصرف الأنظار عن من يستهدفون البنية التحتية للدولة، في وقت لا تزال فيه التحقيقات جارية حول الحريق الأخير. فبدلًا من البحث عن الفاعل وحماية مقدرات الوطن، يتحول النقاش إلى التشكيك في المشروع نفسه، بما يخلق سردية تُربك الرأي العام وقد تؤثر على مسار المساءلة، إذ تنقل مركز الاتهام من المعتدي إلى الضحية، ومن استهداف المنشأة إلى وجودها وجدواها.
وليس من قبيل المصادفة أن يؤكد المهندسون والمستشارون الذين أشرفوا على تنفيذ المشروع أن سد مروي أسس لمدرسة هندسية سودانية متقدمة، ومهّد الطريق لتعلية خزان الروصيرص وإنشاء مشروع أعالي عطبرة وستيت. كما وثق المهندس أحمد عبد الله، في كتابه عن المشروع، مختلف مراحل التصميم والتنفيذ وضبط الجودة والسلامة، بما يجعل سد مروي تجربة وطنية متكاملة في بناء القدرات، لا مجرد محطة لتوليد الكهرباء.
إن معركة الدول اليوم بحسب #وجه_الحقيقة لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تمتد إلى حماية الوعي من محاولات إعادة تفسير التاريخ التنموي وفق سرديات مجتزأة. فاختزال سد مروي، أحد أهم مشاريع الدولة الاستراتيجية، في صورة إخفاق، مع تجاهل دوره في صمود منظومة الكهرباء، لا يعكس نقدًا موضوعيًا بقدر ما يضعف الثقة في جدوى التنمية. فالمشروعات الكبرى تُقوَّم بأثرها لا بحمولاتها السياسية، والواقع أثبت أن غياب جزء من هذا المشروع كشف قيمته لا عجزه. لذلك فإن حماية المنجزات القومية، من التشويه ليست دفاعًا عن تجربة سياسية، بل دفاع عن حق الأجيال في قراءة تاريخها بإنصاف ووعي.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 5 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com