رسالة مفتوحة إلى السيد وزير المالية:استقلال تمويل الطيران المدني ضرورة لحماية سلامة الملاحة الجوية وإعادة إعمار القطاع
السيد الدكتور وزير المالية والتخطيط الاقتصادي المحترم،
تحية طيبة،،
أكتب إليكم هذه الرسالة لا بصفتي مسؤولاً سابقاً في سلطة الطيران المدني، وإنما بصفتي أحد أبناء هذا القطاع الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في خدمة الطيران المدني داخل السودان وخارجه، مؤمناً بأن سلامة الملاحة الجوية ليست شأناً فنياً فحسب، بل هي ركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصاد الوطني.
مدير عام سلطة الطيران المدني ابراهيم عدلان : مبنى بكوبر يهدد هبوط الطائرات وقد نضطر لإغلاق المطار
لقد خلفت الحرب دماراً واسعاً في مرافق الطيران المدني، وأصبح السودان اليوم أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في إعادة بناء منظومة الملاحة الجوية واستعادة ثقة المجتمع الدولي وشركات الطيران. غير أن نجاح هذه المهمة لا يتوقف على الكفاءة الفنية وحدها، وإنما يتطلب أيضاً مراجعة آليات تمويل هذا القطاع الحيوي.
لقد أدى إخضاع إيرادات سلطة الطيران المدني بصورة كاملة لولاية وزارة المالية إلى خلق واقع جديد أصبحت فيه الجهة المسؤولة عن تشغيل وإدارة خدمات الملاحة الجوية عاجزة عن التصرف السريع في الموارد التي تعتمد عليها في أداء واجباتها. وأصبحت عمليات شراء قطع الغيار، وتجديد التراخيص، وسداد التزامات الشركات العالمية، واستقدام فرق الصيانة الأجنبية، تخضع للدورة المالية الحكومية التقليدية، وهي دورة قد تناسب كثيراً من مؤسسات الدولة، لكنها لا تتناسب مع قطاع يعمل وفق متطلبات تشغيلية آنية ومعايير دولية صارمة.
إن الطيران المدني ليس وزارة خدمية تقليدية، بل هو مرفق تقني عالي الحساسية، تعمل أنظمته على مدار أربع وعشرين ساعة يومياً، وتتطلب جاهزية مستمرة للرادارات، ومنظومات إدارة الحركة الجوية (ATM)، وشبكات الاتصالات الجوية، والأنظمة الملاحية، والأرصاد الجوية، ونظم الهبوط الآلي، وغيرها من المكونات التي لا تحتمل تأخيراً في الصيانة أو التمويل.
ولعل التباطؤ الذي شهدته بعض مشروعات إعادة تأهيل منظومة إدارة الحركة الجوية، وتأخر أعمال الشركات المتخصصة في إصلاح أنظمة الاتصالات وشبكات SITA، وإعادة تشغيل بعض الخدمات الرقمية مثل CPDLC، يعكس بصورة واضحة الفجوة بين متطلبات التشغيل المهني ومتطلبات الدورة المالية الحكومية. فالشركات العالمية لا تعمل بمنطق السلف المؤقتة أو انتظار الاعتمادات، وإنما وفق عقود تجارية ومواعيد تنفيذ دقيقة، وأي تأخير في الوفاء بالالتزامات المالية ينعكس مباشرة على سرعة تنفيذ الأعمال.
السيد الوزير،
قد يكون من المشروع أن تسعى وزارة المالية إلى إحكام الرقابة على المال العام، وهذا هدف لا يختلف عليه اثنان، غير أن المشكلة تكمن في الخلط بين الرقابة على الأموال وبين إدارة الأموال التشغيلية لقطاع تحكمه اتفاقيات دولية ومتطلبات فنية خاصة.
فوفق سياسات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ولا سيما الوثيقة Doc 9082، فإن رسوم العبور ورسوم خدمات الملاحة الجوية ليست ضرائب عامة، وإنما هي رسوم مقابل خدمة، تقوم على مبدأ استرداد التكلفة (Cost Recovery)، والغرض منها تمويل تشغيل وصيانة وتطوير خدمات الملاحة الجوية والمطارات، حتى يظل مستوى السلامة والكفاءة متوافقاً مع المعايير الدولية.
ولهذا السبب تحتفظ غالبية دول العالم بهذه الإيرادات داخل الجهات التي تقدم الخدمة، مع إخضاعها لرقابة أجهزة الدولة، لأن فلسفة المنظمة تقوم على أن الأموال التي يدفعها مستخدمو المجال الجوي يجب أن تعود لتطوير الخدمة التي دُفعت من أجلها.
إن تحويل هذه الإيرادات بالكامل إلى الخزانة العامة، مع إخضاع كل احتياجات سلطة الطيران المدني لإجراءات الصرف التقليدية، أدى عملياً إلى فصل المسؤولية عن السلطة؛ فالسلطة مسؤولة أمام منظمة الطيران المدني الدولي عن سلامة المجال الجوي السوداني، لكنها لا تمتلك المرونة المالية الكافية للوفاء بهذه المسؤولية في الوقت المناسب.
والأخطر من ذلك، إذا صحت المعلومات المتداولة عن تخفيض رسوم العبور الجوية في هذه المرحلة، فإن الأمر يستحق مراجعة عاجلة. فالسودان اليوم لا يملك فائضاً مالياً يسمح له بالتنازل عن أهم مورد لتمويل إعادة بناء منظومة الملاحة الجوية. إن أي تعديل في هيكل الرسوم ينبغي أن يستند إلى دراسات اقتصادية وفنية تراعي تكلفة تقديم الخدمة، ومتطلبات إعادة التأهيل، والقدرة التنافسية للمجال الجوي السوداني، لا أن يكون قراراً مالياً مجرداً.
السيد الوزير،
إن استقلال التمويل لا يعني غياب الرقابة، كما أن الرقابة لا تعني تجريد المؤسسات من قدرتها على أداء واجباتها.
ولهذا فإنني أدعو وزارتكم الموقرة إلى مراجعة هذا الملف من منظور استراتيجي، والنظر في تبني نموذج يحقق التوازن بين متطلبات الرقابة المالية واحتياجات التشغيل، وذلك من خلال:
- تخصيص إيرادات رسوم العبور ورسوم خدمات الملاحة الجوية لتمويل خدمات الملاحة الجوية والمطارات.
- إنشاء حساب مالي مخصص لا تُستخدم موارده إلا في الأغراض التي جُمعت من أجلها، مع خضوعه الكامل لرقابة وزارة المالية وديوان المراجعة القومي.
- منح سلطة الطيران المدني صلاحيات مالية محددة للتعامل الفوري مع متطلبات التشغيل والصيانة والتعاقدات الفنية العاجلة.
- مراجعة النصوص القانونية ذات الصلة بما يحقق الاتساق مع سياسات منظمة الطيران المدني الدولي وأفضل الممارسات الدولية.
إن إعادة إعمار الطيران المدني ليست مسؤولية سلطة الطيران المدني وحدها، بل هي مشروع وطني ينعكس على الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، والسياحة، وربط السودان بالعالم. وكل يوم يتأخر فيه إصلاح الأنظمة الملاحية أو تحديث البنية التحتية هو يوم تتراجع فيه قدرة السودان على استعادة مكانته في شبكة النقل الجوي الدولية.
ختاماً، أرجو أن تُقرأ هذه الرسالة باعتبارها دعوة صادقة لإعادة النظر في آلية تمويل قطاع يمثل أحد أهم مرافق الدولة السيادية. إن المحافظة على المال العام هدف نبيل، ولكن المحافظة على سلامة الملاحة الجوية واستدامة خدماتها هدف لا يقل أهمية، ويمكن تحقيق الأمرين معاً إذا أُعيد تصميم النظام المالي بما ينسجم مع المعايير الدولية ويستجيب لخصوصية هذا القطاع.
وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق الاحترام والتقدير.
إبراهيم عدلان إبراهيم
مدير عام سلطة الطيران المدني السوداني الأسبق
خبير في شؤون الطيران المدني وإدارة الملاحة الجوية.
