الوضع الملاحي القاتم في الخرطوم…الدمار وشح الموارد وحالة «التجمّل» التي تعتري السلطة

الوضع الملاحي القاتم في الخرطوم…الدمار وشح الموارد وحالة «التجمّل» التي تعتري السلطة

إبراهيم عدلان

الحديث عن عودة الحركة الجوية إلى مطار الخرطوم لا ينبغي أن يبدأ من المدرج أو صالة الركاب، وإنما من المكان الذي تبدأ منه سلامة الطائرة فعلياً: منظومة الملاحة الجوية.

الترخيص والكفاءة والصحة النفسية… ثلاثية التعافي في الطيران المدني

فالدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية للطيران المدني منذ اندلاع الحرب أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله. لكن الأخطر من الدمار المادي هو أن تقابله المؤسسة بحالة من «التجمّل»؛ أي محاولة الظهور بمظهر أفضل من الواقع، بينما تشير المعلومات والتقارير المتداولة إلى أن منظومة الملاحة الجوية تواجه تحديات فنية ومالية ومؤسسية بالغة التعقيد.

المشكلة ليست أن أجهزة دُمرت أو تعطلت؛ فهذا أمر متوقع في حرب بهذا الحجم.

المشكلة الحقيقية هي:

ماذا دُمر؟
ماذا يمكن إصلاحه؟
ماذا أصبح Beyond Repair؟
ما الذي أعيد تأهيله؟
ما الذي لا يزال خارج الخدمة؟
وما حجم الأموال المطلوبة؟ ومن أين ستأتي؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في مقدمة المشهد.

أولاً: كشف حجم الدمار.. البداية الصحيحة لأي خطة

لا يمكن إعادة بناء ما لم يتم حصره وتقييمه بصورة دقيقة.

ولهذا فإن أول خطوة يجب أن تقوم بها سلطة الطيران المدني هي إجراء مسح شامل وشفاف لكل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للملاحة الجوية والاتصالات والمراقبة والمساعدات الملاحية، وإعداد سجل فني ومالي واضح يحدد حالة كل منظومة.

يجب أن يعرف السودان، وبقدر مناسب من الشفافية، ماذا حدث لمنظومات:

TopSky، STM، ADS-B، V-SAT، CPDLC، أنظمة الاتصالات، المساعدات الملاحية، منظومات الـILS للمدرجين 18 و36، وأجهزة ومعدات الـCNS/ATM الأخرى.

ويجب تصنيف كل منظومة بوضوح:

صالحة للعمل – تحتاج إلى صيانة – تحتاج إلى إعادة تأهيل – تحتاج إلى استبدال – أو Beyond Repair.

فلا يمكن أن نبني خطة تمويل أو إعادة إعمار على معلومات ناقصة أو تقديرات غير موثقة.

والأهم أن كشف الدمار لا يعني إظهار ضعف الدولة، كما قد يتصور البعض.

على العكس تماماً؛ الاعتراف بحجم الضرر هو الخطوة الأولى للحصول على المساعدة.

بيجا وتاليس.. عقد الصيانة يتحول إلى عقدة

من أكثر الملفات إثارة للقلق ما يتردد بشأن شركة بيجا، باعتبارها وكيل شركة تاليس، في ما يتعلق بمنظومة الـTopSky، وما يقال عن تعنت أو تعثر في إرسال فريق الصيانة، مع الاحتماء بالمادة 5.6 من عقد الصيانة الخاصة بالقوة القاهرة.

إذا صحت هذه المعلومات، فإن الملف لا ينبغي أن يبقى في دائرة المكاتبات والانتظار.

القوة القاهرة تحتاج إلى قراءة قانونية دقيقة تحدد نطاقها وآثارها، ولا ينبغي أن تتحول إلى مظلة مفتوحة لتعليق الالتزامات الفنية إلى أجل غير معلوم.

المطلوب مراجعة العقد من الناحيتين القانونية والفنية، وتحديد ما الذي يشمله فعلاً أثر القوة القاهرة، وما الذي لا يزال قائماً من التزامات، وما الذي يمكن تنفيذه عن بُعد، وما البدائل المتاحة إذا استمر تعذر وصول فريق الصيانة.

والسؤال الأهم:

هل لدى سلطة الطيران المدني خطة بديلة إذا طال توقف فريق الصيانة؟

فالاعتماد على مورد أو وكيل واحد دون وجود خطة بديلة لاستعادة الخدمة يمثل في حد ذاته نقطة ضعف استراتيجية.

الـTopSky.. قلب المنظومة

إن منظومة الـTopSky ليست مجرد جهاز يمكن تشغيله متى توفرت الكهرباء.

إنها جزء أساسي من منظومة إدارة الحركة الجوية الحديثة، وإعادتها إلى الخدمة تحتاج إلى تقييم شامل لحالة مكوناتها والبنية التحتية المرتبطة بها والاتصالات وقواعد البيانات والبرمجيات وأجهزة الدعم، ثم إجراء الاختبارات اللازمة قبل العودة إلى التشغيل.

ولذلك فإن الحديث عن عودة الملاحة الجوية دون حسم وضع الـTopSky يظل حديثاً ناقصاً.

فإما أن تكون هناك خطة واضحة لإعادته، أو أن تعلن السلطة بوضوح ما هو البديل الفني المؤقت ومستوى الخدمة الذي يمكن تقديمه في ظل ذلك البديل.

منظومة الـSTM.. لا وقت لإضاعة الوقت

ومن الملفات التي تستوجب قراراً عاجلاً أيضاً منظومة الـSTM.

فإذا كانت التقييمات الفنية قد أكدت أن الدمار الذي أصاب المنظومة قد تجاوز حدود الإصلاح، وأصبحت عملياً Beyond Repair، فإن الاستمرار في محاولة إصلاحها لن يكون سوى إهدار للوقت والمال.

في هذه الحالة يجب الانتقال فوراً من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الاستبدال وإعادة البناء.

وعليه، ينبغي أن تتضمن الخطة الإسعافية العاجلة للملاحة الجوية بنداً واضحاً يتعلق بشراء وتركيب منظومة STM جديدة، وفق مواصفات فنية حديثة تتوافق مع احتياجات السودان الحالية والمستقبلية، وتضمن إمكانية التكامل مع منظومة الـCNS/ATM القائمة والمستقبلية.

ويجب أن يكون القرار سريعاً:

التقييم النهائي → اعتماد المواصفات → تحديد التكلفة → توفير التمويل → الشراء → التركيب → الاختبارات → الاعتماد والتشغيل.

فإذا ثبت فنياً أن المنظومة الحالية Beyond Repair، فلا ينبغي انتظار اكتمال جميع ملفات إعادة الإعمار قبل البدء في استبدالها.

الوقت هنا جزء من السلامة.

وإذا كانت وزارة المالية غير قادرة حالياً على توفير التمويل، فينبغي أن تكون منظومة STM الجديدة من أولويات التمويل الإسعافي المقترح عبر أحد البنوك أو مؤسسات التمويل الوطنية، وفق دراسة مالية وقانونية واضحة، على أن يتم السداد مستقبلاً من موارد السلطة وإيرادات خدمات الملاحة الجوية.

إن شراء منظومة جديدة في هذه الحالة ليس ترفاً ولا مشروعاً يمكن تأجيله.

إنه استبدال لأصل استراتيجي فقدته الدولة وإعادة بناء لقدرة أساسية في منظومة إدارة الحركة الجوية.

الـILS للمدرجين 18 و36.. جرح آخر في جسد الملاحة

ولا تكتمل صورة الدمار الذي أصاب مطار الخرطوم دون الوقوف عند منظومات الهبوط الآلي للمدرجين 18 و36.

فما تعرضت له أجهزة الـILS ومكوناتها المرتبطة بالمدرجين من تدمير يمثل ضربة مباشرة لقدرة المطار على توفير وسائل الاقتراب الدقيق التي تحتاج إليها عمليات التشغيل.

وهذا الملف لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد استبدال جهاز بآخر.

إعادة منظومة الهبوط الآلي إلى الخدمة تتطلب تقييماً هندسياً شاملاً للأضرار، وتحديد ما يمكن إصلاحه وما يحتاج إلى استبدال، وتوفير المعدات وقطع الغيار، وإجراء التركيب والاختبارات الأرضية، ثم المعايرة والفحص الجوي واعتماد النتائج قبل إدخال المنظومة إلى الخدمة.

فالمدرج قد يكون صالحاً من الناحية الهندسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن وسائل الاقتراب والهبوط أصبحت جاهزة وآمنة للتشغيل.

الـADS-B والـV-SAT.. ليست أجهزة هامشية

ومن الملفات التي تستوجب اهتماماً عاجلاً منظومتا ADS-B وV-SAT.

فالـADS-B، بما في ذلك المحطات التسع المتاحة، يمكن أن يمثل أحد أهم المكونات في استعادة قدرات المراقبة الجوية تدريجياً، بينما تمثل الـV-SAT عنصراً مهماً في استعادة الاتصالات ونقل البيانات في بيئة تعرضت فيها البنية الأرضية لأضرار جسيمة.

وهنا لا يكفي أن نقول إن هذه الأجهزة موجودة.

السؤال هو:

هل تعمل؟

وإذا كانت لا تعمل، فما الذي يمنع تشغيلها؟

وهل التمويل هو المشكلة؟

وهل توجد قطع غيار؟

وهل هناك حاجة إلى فرق فنية خارجية؟

وهل توجد خطة واضحة لإعادة كل محطة إلى الخدمة؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون لها إجابات مكتوبة ومواعيد محددة.

جرجرة الـCPDLC.. إهدار لفرصة مهمة

أما استمرار التأخير في تفعيل CPDLC، فهو ملف آخر لا ينبغي أن يبقى في دائرة التسويف.

في بيئة تعرضت فيها الاتصالات الأرضية والمراقبة إلى أضرار كبيرة، يمكن للاتصالات القائمة على البيانات أن توفر قدراً مهماً من المرونة التشغيلية، خصوصاً لحركة العبور والرحلات التي تحتاج إلى اتصال موثوق بين الطائرة ووحدات المراقبة الجوية.

لكن CPDLC ليس مجرد برنامج يتم تشغيله بضغطة زر.

إنه منظومة لها متطلبات فنية وتشغيلية، واختبارات، وإجراءات، وتنسيق مع المراكز المجاورة، وتحديد واضح لدورها ضمن منظومة الاتصالات والمراقبة.

ولهذا فإن استمرار «جرجرة» هذا الملف دون جدول زمني واضح يمثل خسارة لفرصة كان يمكن أن تساعد في بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الحركة الجوية المستقبلية.

أجهزة الملاحة الخارجية.. التأخير هنا ليس إدارياً

هناك أيضاً ملف المعايرة والضبط لأجهزة الملاحة الخارجية، وهو ملف لا يحتمل البطء الإداري.

فالجهاز الذي لم يخضع للفحص والمعايرة المطلوبة لا يصبح صالحاً للخدمة لمجرد أنه يعمل كهربائياً.

إعادة المساعدات الملاحية إلى الخدمة يجب أن تمر عبر سلسلة واضحة من الفحص والصيانة والمعايرة والاختبارات، وعمليات الـFlight Inspection متى كانت مطلوبة، ثم اعتماد النتائج وإدخال الجهاز إلى الخدمة وفق الإجراءات المعتمدة.

فالعودة إلى التشغيل يجب ألا تكون على حساب السلامة.

المال.. الحلقة المفقودة

لكن كل هذه الملفات تصطدم بعقبة أكبر:

شح الموارد المالية.

فالواقع، وفق المعلومات المتداولة، أن الموارد المتاحة لسلطة الطيران المدني باتت بالكاد تغطي الجانب التشغيلي اليومي، بينما لا تكاد تترك مساحة حقيقية لتمويل إعادة تأهيل البنية التحتية الملاحية التي دمرتها الحرب.

فالسلطة مطالبة بإعادة تأهيل الـTopSky، واستبدال الـSTM، وإعادة تشغيل الـADS-B، ومعالجة وضع الـV-SAT، واستكمال الـCPDLC، وإعادة المساعدات الملاحية إلى الخدمة، وإعادة تأهيل منظومتي الهبوط الآلي للمدرجين 18 و36، وإجراء المعايرات والفحوص اللازمة.

وفي الوقت نفسه لا تملك الموارد الكافية إلا للمحافظة على الحد الأدنى من التشغيل.

كيف يمكن لمؤسسة أن تعيد بناء بنيتها التحتية وهي بالكاد تستطيع تمويل تشغيلها اليومي؟

والأكثر إثارة للقلق هو فشل السلطة، بحسب ما يتردد، في إقناع وزارة المالية بأن الإنفاق على البنية التحتية للملاحة الجوية ليس بنداً تطويرياً يمكن تأجيله، وإنما هو استثمار مباشر في سيادة السودان الجوية وفي قدرته على استعادة موارده من الحركة الجوية العابرة.

خطة إسعافية عاجلة.. والمال لا ينتظر

أمام هذا الواقع، لا يجوز أن تظل السلطة أسيرة انتظار الاعتماد المالي من وزارة المالية.

إذا كانت الموارد الحكومية شحيحة، وإذا كانت الخزانة العامة غير قادرة في الوقت الراهن على توفير التمويل المطلوب، فإن المطلوب إيجاد آلية تمويل إسعافية تحفظ حق الدولة ولا تؤجل إعادة بناء بنيتها التحتية.

ومن هنا تأتي ضرورة إعداد خطة إسعافية عاجلة لإعادة تأهيل منظومة الملاحة الجوية، يتم تنفيذها وفق أولويات واضحة، ويمكن ــ بعد استكمال الإجراءات القانونية والمالية اللازمة ــ تمويلها عبر أحد البنوك أو مؤسسة تمويل وطنية، على أن يتم السداد مستقبلاً من موارد سلطة الطيران المدني وإيرادات خدمات الملاحة الجوية.

وهذا ليس دعوة إلى الاقتراض بلا حساب.

بل هو دعوة إلى تمويل أصل منتج للإيراد.

فالاستثمار في إعادة تشغيل الـTopSky والـSTM والـADS-B والـV-SAT والـCPDLC والمساعدات الملاحية ومنظومات الهبوط الآلي للمدرجين 18 و36 يمكن أن يعيد للسلطة قدرتها على تقديم خدمات الملاحة الجوية واستعادة حركة العبور والحركة الدولية، وبالتالي استعادة مصادر دخل يمكن أن تساهم في سداد التمويل.

لكن ذلك يجب أن يتم ضمن دراسة جدوى مالية وفنية واضحة تحدد حجم التمويل، والأولويات، والتكلفة، والإيرادات المتوقعة، ومصادر السداد، وفترة السداد، والضمانات القانونية والمالية.

المال الذي يعيد تشغيل الأصل المنتج للإيراد يختلف تماماً عن المال الذي يمول الاستهلاك.

لا يمكن إعادة البناء من الداخل وحده

وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية.

ليس مطلوباً من سلطة الطيران المدني أن تواجه هذا الحجم من الدمار بمفردها.

بل يجب أن تعترف الدولة رسمياً بحجم الضرر، وأن تضع ملف إعادة بناء الملاحة الجوية ضمن برنامج وطني لإعادة الإعمار.

وعلى السلطة أن تبدأ فوراً في التواصل المنظم مع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، والمكاتب الإقليمية المختصة، والمنظمات والهيئات الإقليمية ذات الصلة بالملاحة الجوية، والدول الصديقة، والشركاء الفنيين والماليين.

والهدف من هذا التواصل ليس طلب المساعدات بصورة عامة، وإنما تقديم ملف فني متكامل وموثق يوضح:

ما الذي دمر؟

ما الذي أصبح Beyond Repair؟

ما الذي يمكن إصلاحه؟

ما الذي يحتاج إلى استبدال؟

ما تكلفة كل منظومة؟

ما الأولويات؟

وما الذي يحتاجه السودان في المرحلة الإسعافية، وما الذي يحتاجه في مرحلة إعادة البناء طويلة المدى؟

فالمجتمع الدولي لا يستطيع أن يساعد في إعادة بناء منظومة غير واضحة المعالم.

كشف حجم الدمار ليس إدانة للمؤسسة، وإنما هو جواز المرور إلى الدعم.

ومن المهم كذلك أن يتم التواصل مع الدول الصديقة التي تمتلك خبرات في إعادة بناء منظومات الملاحة الجوية بعد النزاعات، وفتح الباب أمام المنح والمساعدات الفنية، والقروض الميسرة، والتعاون الحكومي، والتدريب، ونقل الخبرات.

«قعاد ساكت».. الخطر المؤسسي
احساس منسوبي السلطة بالعجز و عدم المشاركة في عودة بيئة العمل و اقتصارالعمل علي فريق بعينه
لكن ربما يكون أخطر ما في الصورة كلها ليس جهازاً متعطلاً، ولا عقداً متعثراً، ولا حتى نقص المال.

إنه غياب الإحساس بالاستعجال داخل المؤسسة.

«قعاد ساكت» في مؤسسة مسؤولة عن سلامة الطيران ليس مجرد مشكلة إدارية.

إنه خطر مؤسسي.

المؤسسة التي خرجت من حرب بهذا الحجم لا تستطيع أن تعمل بمنطق الروتين القديم، ولا تستطيع انتظار أن تأتي الحلول إليها.

المرحلة الحالية تحتاج إلى غرفة عمليات حقيقية لإعادة بناء الملاحة الجوية تضم الإدارة العليا، والملاحة الجوية، والهندسة، والسلامة، والشؤون القانونية والمالية، وتعمل وفق مؤشرات إنجاز واضحة.

يجب أن يكون أمام هذه الغرفة ملف واحد:

ماذا نملك؟
ماذا فقدنا؟
ماذا يمكن إصلاحه؟
ماذا يحتاج إلى استبدال؟
كم تبلغ التكلفة؟
من المسؤول؟
ومتى تنتهي كل مهمة؟

لا يجوز فتح المجال الجوي على الورق

إعادة تشغيل المجال الجوي ليست بياناً صحفياً.

إنها قرار فني وتشغيلي وسيادي يجب أن يستند إلى قدرة حقيقية على تقديم خدمات الملاحة الجوية المطلوبة.

قد يكون من الممكن تشغيل حركة محدودة بإجراءات استثنائية، لكن ذلك لا يعني أن منظومة الملاحة الجوية عادت إلى طبيعتها.

وهنا يجب التمييز بين:

فتح المطار

و

استعادة القدرة على إدارة المجال الجوي.

فهما شيئان مختلفان تماماً.

المطار قد يستقبل طائرة، لكن إدارة المجال الجوي تحتاج إلى اتصالات ومراقبة وملاحة وإجراءات وموارد بشرية وأنظمة احتياطية وخطط طوارئ.

المطلوب.. مصارحة لا تجمّل

السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى تجميل الواقع، ولا إلى بيانات تطمئن الناس دون أن تستند إلى جاهزية فنية حقيقية.

يحتاج إلى تشخيص صريح ومصارحة كاملة.

إذا كان الـTopSky متوقفاً، فليقال إنه متوقف.

إذا كانت منظومة الـSTM قد أصبحت Beyond Repair، فليعلن ذلك بوضوح، وليبدأ فوراً مسار استبدالها.

إذا كانت الـADS-B تحتاج إلى أموال، فلتحدد التكلفة.

إذا كانت الـV-SAT تحتاج إلى إعادة بناء، فلتعلن الاحتياجات.

إذا كان الـCPDLC متعثراً، فليحدد سبب التعثر والجدول الزمني لمعالجته.

إذا كانت منظومات الهبوط الآلي للمدرجين 18 و36 قد دمرت، فليعلن حجم الضرر وما المطلوب لإعادتها إلى الخدمة.

إذا كانت أعمال المعايرة متأخرة، فلتعلن الأجهزة التي لم تدخل الخدمة ومواعيد استكمالها.

وإذا كان هناك خلاف تعاقدي مع بيجا أو تاليس، فلتدخل الإدارة القانونية والفنية فوراً لتحديد حقوق السلطة والتزامات الطرف الآخر، بدلاً من ترك الملف في حالة انتظار مفتوحة.

والأهم من ذلك كله أن تضع الدولة تمويلاً استثنائياً واضحاً لإعادة تأهيل البنية التحتية للملاحة الجوية، منفصلاً عن موازنة التشغيل اليومية.

المعركة الحقيقية ليست إعادة فتح الخرطوم

المعركة الحقيقية هي إعادة بناء قدرة السودان على إدارة مجاله الجوي.

وهذا فرق كبير.

فالخرطوم يمكن أن تستقبل طائرة أو طائرتين بإجراءات استثنائية، لكن ذلك لا يعني أن منظومة الملاحة الجوية عادت.

السودان يحتاج إلى منظومة قادرة على التعامل مع عودة الحركة تدريجياً، ثم زيادتها، ثم استيعاب حركة العبور الإقليمية والدولية، مع المحافظة على مستويات السلامة المطلوبة.

ولهذا فإن الأولوية يجب أن تكون وضع خطة وطنية عاجلة لإعادة بناء منظومة CNS/ATM، تبدأ بالحد الأدنى الآمن القابل للتشغيل، ثم تنتقل تدريجياً إلى استعادة المراقبة المعتمدة على ADS-B، وإعادة تأهيل TopSky، واستبدال STM، واستكمال الاتصالات، وتفعيل CPDLC، وإعادة أجهزة الملاحة إلى الخدمة بعد استيفاء متطلبات المعايرة والفحص، وإعادة منظومات الهبوط الآلي للمدرجين 18 و36 وفق المتطلبات الفنية المعتمدة.

فالعودة إلى السماء لا تبدأ من المدرج.

إنها تبدأ من غرفة المراقبة.

وإذا كانت غرفة المراقبة غير جاهزة، فإن كل حديث عن عودة الطيران إلى الخرطوم يظل سابقاً لأوانه.

المطلوب الآن ليس «التجمّل».

المطلوب الحقيقة، والشفافية، والتمويل، وخطة عمل، وموعد نهائي لكل مهمة، ومسؤول واضح عن التنفيذ، وتحرك خارجي واسع للحصول على الدعم الفني والمالي.

فالطيران لا يحتمل «قعاد ساكت».

ولا يحتمل أن تتحول الحرب من كارثة دمرت البنية التحتية إلى كارثة مؤسسية تؤخر إعادة بنائها.

والأخطر من ذلك أن يكتشف السودان، بعد فوات الأوان، أن الأموال التي وفرها بالأمس لتشغيل الحد الأدنى لم تكن كافية لمنع انهيار الأصل الذي كان يمكن أن يولد له الإيراد غداً.

إنقاذ الملاحة الجوية الآن ليس ترفاً.. بل ضرورة سيادية واقتصادية وأمنية.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.