رسالة عاجلة من العاملين بالهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية إلي رئيس مجلس الوزراء

تُعد الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية واحدة من أهم المؤسسات السيادية والفنية في الدولة، لما تضطلع به من مسؤوليات استراتيجية ترتبط بصورة مباشرة بالتخطيط والتنمية والسلامة العامة. فهي الجهة الوطنية المختصة بتوفير المعلومات والخدمات الجوية والمناخية التي تعتمد عليها قطاعات الزراعة والأمن الغذائي، والغابات، والموارد المائية، والتخطيط العمراني، والطيران المدني، والملاحة البحرية، والصحة العامة، والبيئة، والدفاع المدني، وإدارة الكوارث، والأمن القومي، وغيرها من القطاعات الحيوية التي تقوم عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

رسالة مفتوحة في بريد رئيس مجلس الوزراء..في شأن الطيران المدني وحقوق الركاب وجذور الخلل المؤسسي

ورغم هذه الأهمية الوطنية الكبيرة، لا يزال العاملون بالهيئة منذ عام 2020 يعانون أوضاعاً وظيفية ومعيشية صعبة تتمثل في ضعف الرواتب، وسوء بيئة العمل، وغياب شروط الخدمة المجزية. ويزداد هذا الواقع قسوة عندما تُقارن أوضاعهم بأوضاع العاملين في مؤسسات أخرى تعتمد بصورة مباشرة على خدمات الأرصاد الجوية، حيث تتجاوز رواتب بعض تلك المؤسسات عدة أضعاف ما يتقاضاه موظفو الهيئة العامة للأرصاد الجوية، على الرغم من أن الهيئة تمثل المصدر الأساسي للمعلومات والخدمات التي تستند إليها تلك الجهات في أعمالها اليومية.

ومنذ مايو 2025 نُشرت عدة مقالات تناولت أوضاع الهيئة ودورها الوطني والتحديات التي تواجهها، كما طُرحت حلول عملية ومتدرجة تراعي ظروف البلاد الاستثنائية في ظل الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023. وقد رُوعي في تلك المقترحات ألا تشكل عبئاً إضافياً على الدولة أو تؤثر على أولوياتها الوطنية، إلا أن العاملين لم يلمسوا حتى الآن استجابة مؤسسية كافية تُسهم في معالجة هذه المشكلات وإنهاء حالة التدهور المستمرة.

كيف تُموَّل هيئات الأرصاد الجوية في العالم؟

تقوم فلسفة تمويل خدمات الأرصاد الجوية عالمياً على اعتبارها خدمة عامة أساسية تتولى الحكومات تمويلها من الموازنة القومية، لما تمثله من عنصر رئيسي في حماية الأرواح والممتلكات ودعم الاقتصاد الوطني. وفي المقابل، تساهم القطاعات المستفيدة من هذه الخدمات في تمويل جزء من أنشطة الأرصاد وفقاً لحجم استفادتها من المعلومات الجوية والمناخية، وحجم المخاطر التي تواجهها، والقيمة الاقتصادية للخسائر التي يمكن تجنبها باستخدام التنبؤات والإنذارات المبكرة، ومساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

ولهذا السبب يُعد قطاع الطيران في معظم دول العالم من أكبر المساهمين في تمويل خدمات الأرصاد الجوية المتخصصة، نظراً للمتطلبات الإلزامية المتعلقة بسلامة الملاحة الجوية، تليه قطاعات الملاحة البحرية والطاقة والزراعة والمياه. وتشير التجارب الدولية إلى أن الحكومات تتحمل عادة ما بين 60% و90% من ميزانيات هيئات الأرصاد، بينما تأتي النسبة المتبقية من عقود الخدمات المتخصصة، ومشروعات البحث العلمي، وبيع البيانات المناخية، وخدمات القطاع الخاص، وبرامج التعاون الدولي.

وتختلف مساهمة القطاعات الاقتصادية في تمويل الأرصاد الجوية من دولة إلى أخرى تبعاً لطبيعة الاقتصاد الوطني. ففي الدول الزراعية ترتفع مساهمة قطاعات الزراعة والمياه، بينما تزداد مساهمة الطيران والطاقة في الدول التي تعتمد على النقل الجوي أو الصناعات الطاقوية بشكل رئيسي. إلا أن القاسم المشترك في جميع هذه النماذج هو الاعتراف بالدور المحوري للأرصاد الجوية باعتبارها بنية تحتية معرفية لا غنى عنها لاستمرار التشغيل الآمن والفعال للقطاعات المختلفة.

مصادر الدخل في مؤسسات الأرصاد الجوية

تشمل مصادر التمويل المعتمدة عالمياً لهيئات الأرصاد الجوية التمويل الحكومي المباشر، ورسوم خدمات الطيران المدني، وعقود الخدمات البحرية والموانئ، وخدمات الطاقة والكهرباء والنفط والغاز، وخدمات الزراعة والري، ومشروعات البحث العلمي، والمنح الدولية، وبيع البيانات المناخية والدراسات المتخصصة، إضافة إلى الشراكات مع القطاع الخاص.

وتؤكد التجارب الدولية نجاح هذا النموذج في العديد من الدول. ففي أفريقيا تعتمد هيئة الأرصاد في جنوب أفريقيا (SAWS) على التمويل الحكومي إلى جانب إيرادات من قطاعات الطيران والطاقة والتعدين والخدمات المناخية المتخصصة. كما تعتمد هيئة الأرصاد الكينية (KMD) على التمويل الحكومي ومشروعات مشتركة مع قطاعات الزراعة والطيران والموارد المائية، بينما تستفيد وكالة الأرصاد الغانية (GMA) من رسوم خدمات الطيران والاستشارات المناخية، وتعتمد وكالة الأرصاد النيجيرية (NiMet) على التمويل الحكومي ورسوم الطيران والنفط والغاز والخدمات البحرية.

وفي آسيا، تعتمد إدارة الأرصاد الهندية على التمويل الحكومي المركزي مع برامج موجهة للزراعة والطيران والطاقة وإدارة الكوارث، بينما تحصل وكالة الأرصاد الجوية اليابانية (JMA) على تمويل حكومي شبه كامل نظراً لطبيعة خدماتها المرتبطة بالسلامة العامة والإنذار المبكر. كما تستفيد إدارة الأرصاد الجوية الصينية (CMA) من تمويل حكومي كبير ومشروعات وطنية في مجالات الطاقة والزراعة والنقل، في حين تعتمد هيئة الأرصاد الكورية الجنوبية (KMA) على التمويل الحكومي والخدمات المتخصصة المقدمة لقطاعات الصناعة والطاقة والطيران.

أما في أوروبا، فيعتمد مكتب الأرصاد البريطاني (Met Office) على التمويل الحكومي والعقود التجارية والخدمات الدفاعية والبحثية، بينما تعتمد هيئة الأرصاد الفرنسية (Météo-France) على التمويل الحكومي ورسوم خدمات الطيران وبرامج البحث الأوروبية. كما تحصل هيئة الأرصاد الألمانية (Deutscher Wetterdienst) على تمويل اتحادي مع خدمات متخصصة للطيران والطاقة والنقل، فيما تستفيد هيئة الأرصاد الإسبانية (AEMET) من التمويل الحكومي وعقود الشراكة مع قطاعات المياه والطاقة والطيران.

وبالنسبة للسودان، فإن النموذج الأكثر ملاءمة يتمثل في توفير تمويل حكومي أساسي ومستقر للهيئة العامة للأرصاد الجوية، مع إنشاء آلية وطنية عادلة لاسترداد جزء من التكلفة التشغيلية من القطاعات المستفيدة، وعلى رأسها الطيران والزراعة والطاقة والمياه والموانئ والصحة وإدارة الكوارث، وفقاً لحجم الفائدة الاقتصادية التي تحققها تلك القطاعات من خدمات الأرصاد الجوية والمناخية.

هل يمكن الاستغناء عن خدمات الأرصاد الجوية؟

من الناحية العملية والقانونية، لا يمكن لقطاعات الطيران والملاحة البحرية الحديثة أن تعمل بأمان وكفاءة دون خدمات الأرصاد الجوية. فقد خصصت منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) الملحق الثالث (Annex 3) بالكامل لخدمات الأرصاد الجوية للطيران الدولي، وأكدت أن هذه الخدمات تمثل ركناً أساسياً من أركان سلامة وكفاءة وانتظام الملاحة الجوية.

ولهذا لا تعتمد الرحلات الجوية التجارية على الأجهزة الموجودة داخل الطائرة وحدها، وإنما على منظومة متكاملة تشمل محطات الرصد الأرضية والأقمار الصناعية والرادارات الجوية ونماذج التنبؤ العددي وتقارير الطقس الرسمية مثل METAR وTAF وSIGMET وغيرها من المنتجات الجوية التي تصدرها هيئات الأرصاد الوطنية المعتمدة.

وفي المجال البحري، تُلزم اتفاقية سلامة الأرواح في البحار (SOLAS) الدول بتوفير خدمات الأرصاد الجوية والتحذيرات البحرية للسفن، كما تدير المنظمة البحرية الدولية (IMO) بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) نظاماً عالمياً لنشر التنبؤات والتحذيرات البحرية. وأصبحت خدمات التوجيه الملاحي البحري (Weather Routing) اليوم جزءاً أساسياً من تشغيل السفن التجارية الحديثة لما تحققه من سلامة أعلى وتوفير في استهلاك الوقود وتقليل المخاطر البحرية.

أما في القطاع الزراعي، فقد كان الإنتاج الزراعي يعتمد تاريخياً على الخبرة التقليدية، إلا أن التغيرات المناخية المتسارعة جعلت التنبؤات الجوية والموسمية أداة أساسية لاتخاذ قرارات الزراعة والري والحصاد ومكافحة الآفات وإدارة مخاطر الجفاف والفيضانات. ولذلك تُعد خدمات الأرصاد الزراعية اليوم استثماراً اقتصادياً يحقق عائداً مرتفعاً من خلال تقليل الخسائر وزيادة الإنتاجية.

هل تغني أجهزة الطائرات والسفن عن خدمات الأرصاد الجوية؟

الإجابة العلمية الواضحة هي: لا.

فالرادار الموجود على الطائرة يستطيع رصد السحب والأمطار والعواصف القريبة فقط، لكنه لا يستطيع توفير صورة شاملة عن تطور الأنظمة الجوية أو الاضطرابات المتوقعة أو التيارات النفاثة أو الأحوال الجوية على طول مسار الرحلة خلال الساعات القادمة. وبالمثل، تستطيع أجهزة السفن قياس الظروف الجوية في موقع السفينة، لكنها لا تستطيع التنبؤ بمسار الأعاصير والعواصف أو تقييم المخاطر الجوية على نطاق إقليمي أو عالمي.

ولهذا تعتمد جميع شركات الطيران وشركات الملاحة البحرية في العالم على مزيج من أجهزة الرصد المحلية والخدمات الرسمية التي توفرها هيئات الأرصاد الجوية. ومن المتعارف عليه دولياً أن أي عملية إقلاع أو هبوط أو عبور جوي آمن تتطلب توافر المعلومات الجوية الآنية والتوقعات الخاصة بمسار الرحلة (Flight Folder) وفقاً للمعايير المعتمدة من ICAO وWMO.

كما أن عدم توفير خدمات الأرصاد الجوية المطلوبة قد يعرض الجهات المشغلة أو الدول لملاحظات وتدقيقات دولية تتعلق بمدى الالتزام بمتطلبات السلامة والتشغيل المعتمدة عالمياً في قطاعي الطيران والملاحة البحرية.

كلمة أخيرة

السيد رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس،

إن الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية ليست مجرد مؤسسة خدمية، وإنما ركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة، وأداة استراتيجية للتنمية المستدامة وإدارة المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات. والسودان الذي يتطلع إلى مرحلة إعادة البناء بعد الحرب يحتاج إلى مؤسسات علمية قوية وقادرة على أداء أدوارها بكفاءة، وفي مقدمتها مؤسسة الأرصاد الجوية.

إن استمرار تدهور أوضاع الهيئة والعاملين فيها، وضعف التمويل، وغياب الآليات العادلة لاسترداد تكلفة الخدمات من القطاعات المستفيدة، وعدم وصول قضايا المؤسسة إلى مستويات اتخاذ القرار، كلها عوامل تُضعف واحدة من أهم مؤسسات الدولة الفنية والاستراتيجية. كما أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلباً على الرضا الوظيفي للعاملين الذين ظلوا يؤدون واجبهم الوطني في ظروف استثنائية تمر بها البلاد.

إن دعم الهيئة العامة للأرصاد الجوية وتمكينها من أداء رسالتها الوطنية هو استثمار مباشر في السلامة العامة والتنمية الاقتصادية والأمن الوطني ومستقبل السودان.

والله ولي التوفيق.

خبير الأرصاد الجوية
الطيب محمد أحمد رجب
عضو اللجنة المفوضة الممثلة للعاملين بالهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية.
ماجستير الأرصاد الجوية…
التاريخ: 11 أغسطس 2026م




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.