كامل إدريس.. حكومة على مشارف الإقلاع أم أن الأمل انتهى إلى سراب؟

كامل إدريس.. حكومة على مشارف الإقلاع أم أن الأمل انتهى إلى سراب؟

عثمان شيخ الدين عكرة

من الخطأ الاعتقاد أن الدكتور كامل إدريس، عندما عُيّن رئيساً للوزراء، جاء إلى المنصب بلا رؤية للحكم أو مشروع لإعادة بناء السودان. فقد جاء في لحظة استثنائية، كانت فيها أصوات المدافع أعلى من أصوات السياسة، وكانت الحرب هي العنوان الأبرز للمشهد السوداني. القوات المسلحة تحقق تقدماً في عدد من المحاور، والطيران يواصل عملياته، بينما كانت الدولة تبحث في الوقت نفسه عن معادلة تحفظ بقاءها وتؤسس لمرحلة ما بعد الحرب.

عثمان عكرة يكتب: صناعة النجم الصحفي في السودان… بين الموهبة وصناعة الصورة

وسط هذه التعقيدات، اختار كامل إدريس أن يجعل “الأمل” عنواناً لمشروعه الحكومي. ولم يكن ذلك مجرد شعار، بل تعبيراً عن رغبة في الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء الدولة. غير أن السؤال ظل قائماً منذ اللحظة الأولى: هل يمتلك رئيس الوزراء الأدوات التي تمكنه من تحويل هذا الأمل إلى واقع؟

سرعان ما اصطدم الرجل بأول اختبار حقيقي، وهو تشكيل حكومته. بدا الأمر أكثر تعقيداً مما توقع كثيرون، إذ وجد نفسه أمام اتفاقات وترتيبات سياسية سابقة قيدت مساحة حركته، وجعلت عدداً من المواقع المهمة خارج دائرة اختياره المباشر، بينما فرضت التوازنات القائمة واقعاً يصعب تجاوزه. وهنا بدأت تتضح الفجوة بين الطموح والإمكانات، وبين البرنامج النظري والقدرة الفعلية على التنفيذ.

ولذلك فإن المعضلة لم تكن في غياب الرؤية، وإنما في البيئة السياسية التي يفترض أن تُنفذ فيها تلك الرؤية. فالسودان يعيش فترة انتقالية تجاوزت عمرها المعلن بسنوات، وتحولت إلى واحدة من أطول المراحل الانتقالية في تاريخه الحديث، بينما جاءت الحرب لتضيف أعباءً غير مسبوقة، دمرت البنية التحتية، وشردت الملايين، وأخرجت السكان من الخرطوم ومدن أخرى بين نازح ولاجئ، تاركين وراءهم منازلهم وأعمالهم وأحلامهم.

في ظل هذا الواقع، وجد كامل إدريس نفسه أمام أولويات متزاحمة؛ فهل يبدأ بإعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ أم يركز على إطلاق مشروع تنموي يعيد الاقتصاد إلى مساره؟ أم ينشغل بإدارة الأزمة اليومية التي تفرض نفسها على مؤسسات الدولة؟ وهي معادلة معقدة، لأن التنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، كما أن إعادة الإعمار نفسها تحتاج إلى موارد واستقرار سياسي وأمني لا تزال البلاد تعمل للوصول إليهما.

غير أن هذه الصورة ليست الوحيدة في المشهد. ففي المقابل، يرى مراقبون أن الحكم على تجربة كامل إدريس لا يزال مبكراً، وأن ما تحقق حتى الآن ينبغي أن يُقرأ في سياق الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها الحكومة. ويشير هؤلاء إلى أن الدولة، رغم الحرب والضغوط الاقتصادية والسياسية، لم تنهَر، بل استمرت مؤسساتها في أداء وظائفها الأساسية. فقد انتظم العام الدراسي، وأُعيد فتح الجامعات، وعُقدت امتحانات الشهادة السودانية، كما عادت أكثر من ثلثي المستشفيات العامة بولاية الخرطوم إلى الخدمة، بواقع 37 مستشفى. وفي الجانب الاقتصادي، بدأت جهود استعادة السيطرة على قطاعات إنتاج الذهب تنعكس في زيادة الإنتاج، فيما طرحت وزارات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية برامج لإحياء القطاعات الإنتاجية، إلى جانب محاولات إعادة تشغيل مصانع السكر في الجنيد وعسلاية، وهي مؤشرات يراها أنصار الحكومة خطوات أولية يمكن البناء عليها إذا استقرت الأوضاع.

ومع ذلك، فإن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تعني أن الطريق أصبح ممهداً. فما زالت الحرب تلقي بظلالها الثقيلة، وما زالت مؤسسات الدولة تعمل تحت ضغط هائل، وما تزال الملفات الكبرى، من إعادة الإعمار إلى الإصلاح الاقتصادي وبناء التوافق السياسي، تنتظر حلولاً أكثر شمولاً وفاعلية.

لهذا، فإن تقييم تجربة كامل إدريس يجب ألا ينطلق من النوايا ولا من الشعارات، كما لا ينبغي أن يقوم على الإدانة المبكرة أو الاحتفاء المبالغ فيه. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرجل يعمل في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان، لكنه في الوقت نفسه مطالب بإثبات أن مشروعه قادر على تجاوز القيود وتحويل الأمل إلى سياسات ونتائج ملموسة.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تقف حكومة كامل إدريس بالفعل على مشارف الإقلاع، أم أن ثقل الحرب وتعقيدات المرحلة الانتقالية سيحولان ذلك الأمل إلى سراب؟ الإجابة لن تقدمها الخطابات السياسية، وإنما ستكتبها الوقائع، بقدر ما تنجح الحكومة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، ومن صناعة الأمل إلى تحقيقه.

Exit mobile version