عثمان عكرة يكتب: صناعة النجم الصحفي في السودان… بين الموهبة وصناعة الصورة

صناعة النجم الصحفي في السودان… بين الموهبة وصناعة الصورة

عثمان شيخ الدين عكرة

ليست كل الأسماء التي تلمع في سماء الصحافة وُلدت بالطريقة نفسها. فبين من صنعته المهنة، ومن صنعته الظروف، ومن صنعته المؤسسات، تتعدد الحكايات، ويختلط أحيانًا بريق الشهرة بحقيقة الاستحقاق.

نزع الأراضي الاستثمارية غير المستغلة… استرداد لحق الأرض وإنهاء للاحتكار

بين الفراغ السياسي وثقل المؤسسة العسكرية… إلى أين تتجه العملية السياسية في السودان؟

الجازولين يقلص المساحات الزراعية بالجزيرة والمناقل

في السودان، كما في كثير من البلدان، لم تكن صناعة النجم الصحفي عملية عفوية دائمًا. ففي مراحل مختلفة، لعبت مؤسسات سياسية وإعلامية وأصحاب مصالح أدوارًا في تقديم أسماء بعينها، وفتح المنابر أمامها، وتوفير فرص الظهور بصورة مكثفة، حتى بدا وكأنها تمثل المشهد الصحفي كله. وقد تنجح هذه الصناعة في فرض حضور مؤقت، لكنها تعجز عن صناعة تاريخ مهني حقيقي.

في المقابل، ظل هناك صحفيون لم يجدوا من يدفع بهم إلى الواجهة، ولم يحظوا بحملات الترويج، لكنهم امتلكوا ما هو أهم: الموهبة، والانضباط، والقدرة على قراءة الواقع، والالتزام بقضايا المجتمع. هؤلاء لم يبحثوا عن النجومية، بل بحثوا عن الحقيقة، فجاءتهم المكانة من احترام القراء قبل أي شيء آخر.

لقد كانت غرف التحرير في السودان مدارس مهنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فيها تعلم الصحفيون أن الخبر مسؤولية، وأن الدقة قيمة لا تقبل المساومة، وأن احترام عقل القارئ هو أساس النجاح. ومن تلك المدارس خرجت أسماء لا تزال حاضرة في الذاكرة، ليس لأنها كانت الأعلى صوتًا، بل لأنها كانت الأكثر تأثيرًا.

والصحفي الحقيقي لا يُعرف بكثرة ظهوره، وإنما بقدرته على تقديم معلومة موثقة، وتحليل متوازن، وموقف مهني مستقل. فالشهرة قد تُصنع، أما المصداقية فلا تُشترى، ولا تُمنح بقرار، بل تُبنى عبر سنوات من العمل الجاد.

كما أن اللغة كانت ولا تزال أحد أسرار التميز في الصحافة السودانية. فالكاتب الذي يمتلك أسلوبًا خاصًا، ويكتب بلغة رشيقة تجمع بين العمق والبساطة، يترك أثرًا يتجاوز زمن الخبر نفسه. فالصحافة ليست نقلًا للوقائع فحسب، بل هي أيضًا فن في تقديمها، ومسؤولية في تفسيرها.

ويبقى المعيار الأهم هو القرب من الناس. فالصحفي الذي ينشغل بقضايا المواطنين، ويجعل من همومهم محورًا لعمله، يرسخ مكانته في وجدان المجتمع. أما من ينشغل بصناعة صورته أكثر من انشغاله بصناعة المعلومة، فإن بريقه غالبًا ما يخفت مع تغير الظروف.

إن الزمن هو أكثر النقاد عدالة. فقد أسقط كثيرًا من الأسماء التي فرضتها اللحظة السياسية، وأبقى أسماء أخرى لم تكن تملك سوى قلمها، لكنها امتلكت احترام الناس. وهنا يكمن الفرق بين من تصنعه الدعاية، ومن تصنعه المهنة.

واليوم، في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت صناعة الشهرة أسهل من أي وقت مضى، لكن صناعة الصحفي الحقيقي ما زالت تمر بالطريق القديم نفسه: المعرفة، والصدق، والاستقلالية، واحترام عقل القارئ. وهذه قيم لا تبطلها التكنولوجيا، ولا يختصرها عدد المتابعين أو حجم التفاعل.

فالنجومية الإعلامية قد تبدأ بقرار، أو حملة، أو ظرف سياسي، لكنها لا تستمر إلا إذا أسندتها الكفاءة. أما الصحفي الحقيقي، فإن تاريخه يُكتب بقلمه، ويشهد له أثره، ويبقى اسمه حاضرًا لأن الناس وجدوا فيه صوتًا يعبر عنهم، لا مجرد اسم يتصدر العناوين.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.