فتح المجال الجوي.. للأسف الطريق أطول مما كنا نتصور
إبراهيم عدلان
لا تحلموا بعالمٍ سعيد
لماذا كنت قد قررتُ التوقف عن الكتابة ثم عدت ؟
لم يكن ذلك لأنني فقدت الرغبة في الكتابة، ولا لأنني تعبت من الطيران، ولا لأنني لم أعد أملك ما أقوله.
بل لأنني، ببساطة، أُصبت بالإحباط.
والإحباط هذه المرة لم يكن عابرًا. كان من النوع الذي لا يأتي من خصم أو من قرار إداري، وإنما من أن تكتشف أن الحقيقة التي كنت تتمنى أن تكون خطأً… هي للأسف الحقيقة.
ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية
كنت أكتب عن عودة السيطرة السودانية على المجال الجوي، وأطالب بالخروج من حالة الـ CCT، وأفترض ـ بحسن نية ـ أن الدولة تعمل في صمت، وأن السلطة المختصة قد أعدت خطتها الإسعافية، وأن الفرق الفنية تمضي في إعادة تأهيل ما دمرته الحرب.
كنت أظن أن المسألة مسألة أيام.
وكنت مخطئًا.
فجاءت التقارير تباعًا، وكأنها مصممة خصيصًا لإطفاء آخر شمعة أمل.
التقرير الأول: الـ CCT
السودان، عمليًا، ما زال خاضعًا بالكامل لفريق الـ CCT، والفريق نفسه ـ بحسب المعلومات التي وصلتني ـ لم يجتمع منذ فبراير الماضي.
والأكثر إثارة للقلق أن عضوًا في هذا الفريق لديه مصلحة مباشرة في استمرار إغلاق المجال الجوي السوداني.
بل إن دولة جارة، بحسب ما وصلني، أعدت عرضًا متكاملًا دفعته إلى ICAO وIATA، دبجت فيه الحجج عن الأسباب التي تجعل استمرار إغلاق المجال الجوي السوداني هو الخيار الأفضل.
يا سلام!
نحن نريد فتح مجالنا الجوي، وهناك من يكتب العروض التقديمية لإقناع العالم بأن الأفضل أن يظل مغلقًا.
ونحن؟
ننتظر.
التقرير الثاني: منظومة ATM
ثم جاءت الصدمة الأكبر.
التقارير الفنية صنفت منظومة ATM بأنها:
Damaged Beyond Repair
أي أن المنظومة تضررت بما يتجاوز إمكانية الإصلاح.
ليست «متوقفة».
وليست «تحتاج إلى صيانة».
وليست مجرد قطعة غيار ننتظر وصولها.
إنها منظومة رئيسية خرجت ـ وفق التقييم الفني ـ من نطاق الإصلاح.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
عن أي عودة للمجال الجوي نتحدث؟
نحن لا نتحدث عن إعادة تشغيل جهاز.
نحن نتحدث عن إعادة بناء منظومة إدارة الحركة الجوية من الأساس.
وهذه ليست مسألة شركة صيانة أو مهندس سيأتي ليبدل لوحة إلكترونية.
هذه قضية سيادة جوية وأمن وسلامة واقتصاد وقرار دولة.
لقد اكتشفنا، للأسف، أننا كنا نتحدث عن فتح الباب بينما البيت نفسه يحتاج إلى إعادة بناء.
التقرير الثالث: TopSky
ثم جاءت شركة «بيجا» لتستند إلى المادة 5.6 من عقد منظومة TopSky، وتستحضر أمامنا مصطلح Force Majeure ـ القوة القاهرة.
أما الشركة المصنعة Thales، فصمتها يحتاج إلى إجابة واضحة.
وهنا أوجه سؤالي إلى إخوتي القائمين اليوم على أمر السلطة، بكل احترام:
هل تكفي مخاطبة Thales ثم تجاهلها للسودان، ونعتبر ذلك إجراءً قد تم؟
هل نرهن خططنا لاستعادة السيطرة على المجال الجوي، وتقديم خدمات المراقبة الجوية، بل وكل خدمات ATS، لمجرد أن موظفًا في ملبورن أو سيدني قرر أن يتجاهل النداء السوداني؟
هل بحثنا عن بدائل وفشلنا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليُقال لنا.
وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح: لماذا لم نبحث؟
هل تواصلنا مع Thales على أعلى المستويات؟
هل طلبنا منها حلًا؟
هل طلبنا بديلًا؟
هل طلبنا دعمًا من الشركة المصنعة؟
هل استعنا بخبرات مستقلة؟
هل عرضنا الأمر على ICAO؟
وهل تم تنوير قيادة البلاد بما جرى فعلًا؟
هذه ليست أسئلة للتجريح.
Nothing Personal.
لا خصومة شخصية مع أحد، ولا رغبة في تسجيل نقاط على أحد.
هذه قضية وطن.
لكن الصمت أمام مثل هذه القضايا يصبح تقصيرًا مشتركًا، مهما كانت النوايا حسنة.
ونفس الأسئلة التي نطرحها عن Thales، علينا أن نطرحها عن بيجا:
هل اكتفينا بمخاطبتها؟
هل قبلنا تفسير Force Majeure؟
هل طالبناها بحل؟
هل بحثنا عن شركة أخرى؟
هل طلبنا من الشركة المصنعة أن تقترح بديلًا؟
هل ذهبنا إلى مستوى أعلى من المراسلات؟
أم أننا، ببساطة، جلسنا ننتظر الرد؟
التقرير الرابع: CPDLC
ثم جاءت قصة منظومة CPDLC.
كوابل وأجهزة استقبال ومكونات كان من المفترض أن تكون في دائرة الصيانة وإعادة الخدمة، وكانت شركة SITA في موقع يؤهلها للتعامل مع هذه المنظومة.
لكنها هي الأخرى تنتظر.
ونحن ننتظر.
والطائرات تنتظر.
والسودان ينتظر.
التقرير الخامس: V-SAT
ثم الـ V-SAT.
المنظومة لا تغطي المجال الجوي السوداني بالصورة المطلوبة بسبب نقص الأموال.
أي أن المسألة لم تعد فقط:
هل نستطيع؟
بل أصبحت:
هل لدينا المال لكي نستطيع؟
التقرير السادس: ADS-B
ثم جاء التقرير المتعلق بالـ ADS-B.
وهنا أيضًا السؤال ليس عن وجود المعدات فحسب، وإنما عن الجاهزية التشغيلية الفعلية والتكامل مع بقية منظومة إدارة المجال الجوي.
وهكذا تتجمع الصورة قطعة بعد قطعة:
ATM: Damaged Beyond Repair.
TopSky: Force Majeure.
CPDLC: تحتاج إلى إعادة تأهيل.
V-SAT: تغطية غير مكتملة بسبب التمويل.
ADS-B: جاهزية تحتاج إلى تحويلها إلى قدرة تشغيلية فعلية.
والـ CCT؟
لم يجتمع منذ فبراير.
ومع ذلك، ما زلنا نتحدث عن عودة المجال الجوي وكأننا نتحدث عن فتح باب صالة المغادرة.
رسالة إلى إخوتي القائمين الآن على أمر السلطة
أقولها لكم بوضوح وأخوة:
Nothing Personal.
لا أكتب ضدكم، ولا أبحث عن إدانة أشخاص.
أنا أعرف أنكم تعملون في ظروف بالغة الصعوبة، وأقدر كل جهد يبذل في هذه المرحلة.
لكن هناك فرقًا بين النقد وبين الاتهام.
وأنا هنا أنقد الأداء والنتيجة، ولا أتهم النوايا.
لقد آن الأوان لأن نخرج من ثقافة «تمت المخاطبة».
مخاطبة الشركة ليست إنجازًا إذا لم تأتِ النتيجة.
وإرسال خطاب إلى Thales لا يعني أننا حللنا مشكلة Thales.
ومخاطبة بيجا لا تعني أننا أصلحنا TopSky.
ومخاطبة CCT لا تعني أننا خرجنا من CCT.
والأخطر من ذلك كله أن الوقت ليس في صالحنا.
لذلك أسأل إخوتي القائمين على الأمر:
هل لدينا خطة واضحة للخروج من الـ CCT؟
أعلم أننا أخرجنا كل المطارات من مظلته، وهذا جهد مهم، لكن هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟
هل طالبنا الفريق رسميًا بوضع تصور واضح لاستعادة السودان سيطرته على مجاله الجوي؟
هل تم تنوير أعضاء الفريق بحقيقة جاهزية السودان الفنية؟
هل اكتفينا بالفتح الجزئي في الشرق وبالـ 75 رحلة التي تمر من خلاله؟
وهل اعتبرنا أن وجود هذه الرحلات هو نهاية الطريق؟
لا.
هذه ليست عودة المجال الجوي السوداني.
إنها نافذة صغيرة في جدار مغلق.
وأقولها بصراحة:
هل لدينا خطة عمل واضحة ومكتوبة وممولة لاستعادة المجال الجوي، حتى لو كانت المرحلة الأولى لا تتجاوز تقديم خدمات استشارية أو خدمات ATS محدودة ومدروسة؟
هل لدينا سيناريوهات بديلة؟
هل درسنا الاستعانة بمقدمي خدمات من دول أخرى؟
هل درسنا إمكانية استئجار أو شراء منظومة ATM جديدة؟
إذا كانت منظومتنا الحالية Damaged Beyond Repair، فما هي الخطة؟
هل بدأنا فعلًا في إجراءات شراء منظومة جديدة؟
وإذا لم نبدأ، فلماذا؟
وهنا أعود إلى السؤال الأهم:
هل قيادة البلاد تعرف أن منظومة ATM الرئيسية صنفت Damaged Beyond Repair؟
هل تعرف أن الأمر لا يتعلق بفتح صالة أو تشغيل سير عفش؟
هل تعرف أن استعادة المجال الجوي قد تحتاج إلى إعادة بناء منظومة كاملة؟
إن كانت القيادة تعرف، فليكن هناك قرار.
وإن كانت لا تعرف، فهذه هي اللحظة التي يجب أن تعرف فيها.
لأن التنوير في مثل هذه القضايا ليس رفاهية، بل جزء من المسؤولية.
ورسالة إلى أهل الطيران المدني
أما رسالتي الثانية فهي إلى كل منسوبي الطيران المدني السوداني.
إلى العاملين في سلطة الطيران المدني.
إلى العاملين في الملاحة الجوية.
إلى المراقبين الجويين.
إلى المهندسين والفنيين.
إلى العاملين في المطارات.
إلى الطيارين.
إلى شركات الطيران.
إلى كل من يؤمن أن للطيران السوداني مستقبلًا.
هذه ليست لحظة خلافات.
وليست لحظة تصفية حسابات.
وليست لحظة أن يقول هذا الفريق «نحن» ويقول الفريق الآخر «هم».
السودان لا يملك رفاهية الانقسام.
لقد دمرت الحرب ما دمرت.
وما بقي لا يحتمل أن ندمره نحن بالخلاف.
علينا أن نوحد الجهود.
وليس المطلوب أن نتفق على كل شيء.
المطلوب أن نتفق على شيء واحد:
استعادة الطيران المدني السوداني.
فلنجلس جميعًا حول طاولة واحدة.
لنضع أمامنا قائمة المنظومات.
ماذا لدينا؟
ماذا فقدنا؟
ماذا يمكن إصلاحه؟
ماذا يجب استبداله؟
ما تكلفة ذلك؟
من يستطيع توفيره؟
ما البدائل؟
ما الذي نستطيع تشغيله الآن؟
وما الذي نستطيع تشغيله بعد ثلاثة أشهر؟
وما الذي يحتاج إلى ستة أشهر؟
وما الذي يحتاج إلى سنة؟
ثم نضع خطة واحدة.
لا خطة للسلطة، وخطة للمراقبين، وخطة للشركات، وخطة للكتاب.
خطة سودانية واحدة.
نختلف داخلها، لكننا لا نختلف عليها.
فالوقت الآن ليس وقت إثبات من كان على حق.
الوقت وقت إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومن كان لديه معلومة، فليقدمها.
ومن كان لديه خبرة، فليضعها.
ومن لديه علاقة بشركة أو دولة أو منظمة، فليستخدمها.
ومن لديه بديل عن TopSky، فليطرحه.
ومن لديه حل للـ ATM، فليأتِ به.
ومن يستطيع أن يفتح بابًا في ICAO أو IATA أو أي جهة دولية، فليطرقه.
لا نريد أبطالًا أفرادًا.
نريد فريقًا سودانيًا واحدًا.
لا تحلموا بعالم سعيد
لقد أصابني إحباط لم أصب بمثله إلا عندما سطا الشفشافة على كل ما أملك.
يومها فقدت مالًا.
أما اليوم فأخشى أن نفقد شيئًا أكبر:
فرصة استعادة سيادتنا على سمائنا.
ولهذا عدت إلى الكتابة.
ليس لأنني أريد إحباط الناس.
بل لأنني أخشى أن يصبح الصمت مشاركة في الخطأ.
فالقطاع لا يحتاج إلى تجميل الصورة.
ولا يحتاج إلى بيانات إنشائية.
ولا يحتاج إلى أن نقول للناس:
«الأمور ماشّة».
نحتاج إلى أن نعرف:
ماذا دُمّر؟
ماذا بقي؟
ماذا يمكن إصلاحه؟
ماذا يجب استبداله؟
كم يكلف؟
من سيدفع؟
من سينفذ؟
ومتى تعود كل منظومة إلى الخدمة؟
هذه هي الأسئلة.
وأي حديث عن فتح المجال الجوي قبل الإجابة عنها ليس أكثر من أمنيات معلقة في الهواء.
⸻
فإذا كانت منظومة الـ ATM مصنفة Damaged Beyond Repair، وإذا كانت TopSky تواجه مشكلة القوة القاهرة، وإذا كانت CPDLC تحتاج إلى إعادة تأهيل، وإذا كانت تغطية V-SAT غير مكتملة بسبب التمويل، وإذا كانت ADS-B تحتاج إلى تحويل جاهزيتها إلى قدرة تشغيلية فعلية، فكيف نتحدث عن فتح المجال الجوي وكأننا ننتظر فقط بيانًا من الخرطوم؟
أي عودة هذه؟ وإلى أي منظومة؟
إن استعادة المجال الجوي ليست حفلة افتتاح.
إنها مشروع إعادة بناء وطني.
وتحتاج إلى خطة إسعافية واضحة، وتمويل واضح، ومسؤوليات واضحة، وجدول زمني واضح.
وما لم يحدث ذلك، فإن كل حديث عن العودة ليس إلا محاولة لبيع الأمل بالتقسيط.
⸻
لذلك أقولها اليوم بكل وضوح:
لا تحلموا بعالمٍ سعيد.
ليس بعد.
لا تحلموا بعودة الخرطوم إلى مكانتها الإقليمية بمجرد تشغيل صالة أو إعادة سير عفش.
ولا تحلموا بأن الطائرات ستعود بأعداد كبيرة لأننا رفعنا لافتة «المطار مفتوح».
ولا تحلموا بأن المجتمع الدولي سيمنحنا شهادة جاهزية لأننا تمنيناها.
الطيران لا يعرف المجاملة.
والسماء لا تقبل الواسطة.
والطائرة لا تقرأ البيانات الصحفية.
إما أن تكون منظومة السلامة جاهزة، أو ليست جاهزة.
وإما أن يكون المجال الجوي قابلًا للإدارة وفق المعايير المطلوبة، أو لا يكون.
هذه هي الحقيقة.
كنت قد قررت التوقف عن الكتابة.
لكنني اكتشفت أن الصمت في هذه المرحلة أخطر من الكتابة.
ولذلك عدت.
ليس لأجل معركة مع أحد.
ولا لأجل منصب.
ولا لأجل تصفية حسابات.
بل لأقول لمن يهمه الأمر:
استيقظوا.
هناك فرق هائل بين أن يعمل المطار، وبين أن يكون السودان قادرًا على إدارة مجاله الجوي.
هناك فرق بين أن يتحرك سير العفش، وبين أن تتحرك منظومة ATM.
وهناك فرق بين أن تهبط طائرة، وبين أن يكون لدينا نظام طيران مدني قادر على حماية هذه الطائرة ومن فيها.
فإن كنتم تريدون الحقيقة:
المجال الجوي السوداني لم يُستعد بعد.
والطريق إلى استعادة السيادة الجوية ليس قصيرًا كما كنا نعتقد.
وكل يوم يمر بلا خطة إسعافية واضحة، وبلا تمويل، وبلا مسؤوليات محددة، وبلا جدول زمني، هو يوم إضافي ندفع ثمنه من سيادتنا واقتصادنا وسمعة طيراننا.
ولذلك لا أريد أن أسمع بعد اليوم:
«قريبًا ستعود الأمور إلى طبيعتها».
أريد أن أسمع:
هذه هي الخطة.
هذا هو المال.
هذه هي الشركات.
هذه هي المنظومات.
هذا ما دُمّر.
وهذا ما سيُستبدل.
وهذا هو تاريخ العودة.
أما غير ذلك…
فهو مجرد سير عفش يتحرك في مطار، بينما السماء فوقه ما زالت تنتظر.
لا تحلموا بعالمٍ سعيد… قبل أن نعيد للسودان سماءه.
