إبراهيم شقلاوي يكتب: الإسلاميون… سيناريوهات البقاء والإقصاء

الإسلاميون… سيناريوهات البقاء والإقصاء

إبراهيم شقلاوي

من الطبيعي أن تعيد الحروب تشكيل موازين القوة والرأي العام، والسودان ليس استثناءً. لذلك لم تعد قضية الإسلاميين مجرد خلاف حول المشاركة السياسية، بل سؤالًا يتصل بمستقبل البلاد: من يملك حق رسم الفضاء السياسي بعد الحرب، ومن يقرر من يشارك ومن يُقصى؟

ابراهيم شقلاوي يكتب: حكاية عودة الشهداء

في هذا المقال، نقرأ مستقبل العملية السياسية والسيناريوهات المحتملة للخروج من الحرب إلى مسار سياسي يعيد بناء الدولة ويؤسس للاستقرار.

تكشف التحركات المتسارعة لانطلاقة الحوار السوداني أن سؤال المشاركة والإقصاء بات في قلب المشهد السياسي. فدعوة الرئيس عبد الفتاح البرهان للحوار، مقرونة بدعوته الأسبوع الماضي إلى استبعاد المؤتمر الوطني، تعيد إنتاج سؤال سبق أن برز في إعلان أديس أبابا للمبادئ، الموقّع في 2 يناير 2024 بين “تقدم” ومليشيا الدعم السريع، ثم تجدد في خطاب “صمود” . وهنا تتجاوز القضية شكل الحكومة الانتقالية إلى سؤال أكثر أهمية، من يملك حق تحديد أطراف العملية السياسية، ومن يقرر من يحق له المشاركة في صياغة مستقبل السودان والسودانيين بعد الحرب؟

وفي المقابل أعلن الإسلاميون مرارًا أنهم لا يريدون المشاركة في السلطة الانتقالية، وأن الوصول إلى الحكم لن يكون إلا عبر الانتخابات. وهنا تبرز المفارقة بين الامتناع عن المشاركة بقرار سياسي، والإقصاء بقرار من الآخرين، فالأول خيار يملكه التيار نفسه، أما الثاني فيفتح سؤالًا أكبر حول قواعد العملية السياسية ومن يملك حق صياغتها وتحديد واجهاتها.

ومن هنا يبدو انتظار الانتخابات أكثر تعقيدًا، فالانتخابات لا تبدأ بصناديق الاقتراع، بل بالترتيبات التي تسبقها: الدستور، والقانون المنظم والأحزاب والمفوضية والسجل الانتخابي، وشروط الترشح، والتمويل، وضمانات المنافسة. لذلك فإن غياب تيار سياسي عن السلطة الانتقالية، يعني بالضرورة غيابه عن صناعة قواعد الانتقال. لذلك يستطيع الإسلاميون رفض المشاركة في الانتقال، لكن قبولهم بالابتعاد ربما يتحول إلى تفويض لخصومهم لصياغة شروط عودتهم.

وهنا تكمن المفارقة، وربما المقاربة الأكثر عقلانية: لا شارع لفرض المشاركة، ولا قبول بإقصاء. فالإسلاميون ليسوا بحاجة إلى فرض حضورهم في السلطة الانتقالية، كما أن دعمهم للجيش لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة سياسية. لكن ابتعادهم عن السلطة لا يعني ترك خصومهم وحدهم لصياغة قواعد الانتقال والانتخابات، بما قد يجعل “الانتظار” قبولًا مسبقًا بشروط العودة أو حتى اللا عودة. فالمطلوب ليس المشاركة في السلطة، بل المشاركة في صناعة القواعد التي تحكم مستقبل البلاد.

وهنا يصبح السؤال الأهم: إذا كان الهدف انتقالًا سلسًا، فلماذا لا يقتصر دور القوات المسلحة على تثبيت الدولة وحماية مؤسساتها، دون إدارة التنافس السياسي؟ وقد تكون المقاربة الأكثر واقعية هي استلهام تجربة المشير سوار الذهب أبريل 1985، مجلس عسكري يتولى المرحلة الانتقالية لفترة قصيرة ومحددة، مع حكومة كفاءات وطنية غير حزبية تدير الجهاز التنفيذي، وتهيئ القوانين والمؤسسات لانتخابات حرة بموعد ملزم.
عندها لا يحتاج الإسلاميون إلى دخول السلطة الانتقالية، ولا تحتاج القوى الأخرى إلى إقصائهم، الجميع خارج السلطة التنفيذية، والجميع داخل العملية السياسية، والفيصل هو الناخب. فلا مكافآت سياسية ولا إقصاء جماعي، ولا تُفرض المشاركة أو تُمنع بالمحاصصة أو فرض ضغط الشارع، بل تُحسم بصندوق الاقتراع.

لكن استلهام تجربة سوار الذهب يختلف جذريًا عن إعادة إنتاج الحكم العسكري، فالفارق في وضوح النهاية منذ البداية: سقف زمني ملزم، وانتقال معلوم، وحكومة مدنية مؤقتة مهمتها تهيئة البلاد للديمقراطية، لا مصادرة الإرادة الشعبية. فالجيش الذي يدخل المرحلة ليخرج منها، يختلف عن جيش يدخلها بلا موعد للخروج. وقد تفتح هذه الصيغة مخرجًا للعملية السياسية، بحيث لا يُفرض الإسلاميون على المشهد ولا يُقصون منه، ولا تنفرد “صمود” أو غيرها بصياغة المستقبل، بل تستعد القوى كافة للانتخابات، فيما تنحصر مهمة الانتقال في بناء دولة مدنية ديمقراطية.

وتكتمل هذه المقاربة بعدالة انتقالية تقوم على قاعدة واضحة: لا إقصاء جماعي ولا حصانة سياسية. فالإسلاميون و”صمود” وسائر القوى السياسية يخضعون للقانون ذاته، ومن تثبت مسؤوليته عن أي جرائم أو التواطؤ مع أي طرف مسلح، تُحسم قضيته أمام قضاء عادل، لا بقرار سياسي. وبذلك تصبح المشاركة السياسية حقًا تنظمه القواعد، والمساءلة مسؤولية يحددها القضاء، وتبقى المنافسة الانتخابية في النهاية بيد الشعب.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للجميع: إذا كانت “صمود” وسائر القوى السياسية واثقة من قبول الشارع لرؤيتها، فلماذا تخشى منافسة الإسلاميين عبر انتخابات حرة؟ وإذا كان الإسلاميون واثقين من رصيدهم الشعبي، فلماذا لا يثبتونه بالصندوق؟ وعلى الجيش أن يدرك أن الاستقرار لا يصنع شرعية سياسية، فالشرعية مصدرها التفويض الشعبي. لكن الانتخابات نفسها تحتاج ضمانات سياسية وقانونية واضحة، حتى لا تتحول الدعوة إلى “انتظروا الانتخابات” إلى انتظار مجهول القواعد والموعد.

أما العدالة والمحاسبة، فيجب أن تبقيا خارج هندسة الإقصاء السياسي، يُحاسب من تثبت مسؤوليته عن جريمة أو فساد أمام قضاء مستقل، دون تحويل المسؤولية الفردية إلى إدانة جماعية لتيار بأكمله. فحين تُستخدم العدالة لتصفية الخصوم تفقد معناها، وحين يتحول الانتماء السياسي إلى سبب للعقوبة، يصبح الإقصاء المتبادل قاعدة تهدد مستقبل الدولة.

وإذا أراد الإسلاميون استكمال حجتهم الديمقراطية، فعليهم قبول احتمال الخسارة، فحق المنافسة لا يعني حق الحكم، ولا يمنحهم دعم الجيش أو الحضور الشعبي تفويضًا مسبقًا. وتقتضي عودتهم مراجعة تجربتهم، والانفتاح على التعدد، والفصل بين الدعوي والسياسي، وقبول المحاسبة، وطرح مشروع واضح للدولة والإعمار. وبالمثل، لا يمكن تجاهل ما أحدثته الحرب من تحولات في وعي السودانيين تجاه مليشيا الدعم السريع والقوى السياسية المرتبطة به. فالتسوية قد توزع السلطة، لكن السلام يعيد بناء الدولة والثقة، والديمقراطية وحدها تحسم الخلاف بالصناديق .

أما البعد الإقليمي والدولي، فسيظل حاضرًا بحسابات البحر الأحمر والنفوذ والموارد والهجرة، لكن التجارب الإقليمية تؤكد أن إدماج التيارات الإسلامية في العملية السياسية، بدل إقصائها، يمكن أن يكون جزءًا من إعادة بناء الدولة متى اقترن بسيادة القانون والامن إلاقليمي . والتجربة السورية الراهنة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تقدم مثالًا يستحق المتابعة في هذا الاتجاه، مع ضرورة عدم استنساخه أو اعتباره مكتملًا.

لذلك لا يصح وليس من الوطنية أن تطلب القوى السياسية دعمًا دوليًا لعملية شاملة ثم تستدعي الخارج لإقصاء تيار سياسي، كما لا ينبغي للإسلاميين الاتكال على الاعتراف الخارجي، فالشرعية تُبنى داخل الدولة والمجتمع والصندوق. السودان لا يحتاج إلى احتكار جديد للشرعية أو الوطنية أو تمثيل المدنيين، بل إلى قواعد تمنع الاحتكار وتضمن التنافس.

وبعد وضع هذه القواعد أمام العملية السياسية، يبقى السؤال العملي: إلى أين يمكن أن يقود المسار الحالي؟ فمستقبل البلاد لن تحدده النوايا وحدها، وإنما طبيعة القواعد التي ستُبنى عليها المرحلة المقبلة. ومن هنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة ، رغم أنها تتباين في نتائجها، لكنها تلتقي لتقود إلى انتقال سياسي ، بعيدًا عن منطق الإقصاء وتدوير الأزمة؟

الأول: يقوم على استبعاد الإسلاميين من العملية السياسية والسلطة الانتقالية، مع إعادة تعريف قواعد المشاركة بما يحول دون عودتهم عبر الانتخابات. قد يمنح هذا السيناريو مكسبًا سياسيًا مؤقتًا لخصومهم، لكنه يحمل خطر إنتاج إقصاء جديد، فاستبعاد تيار واسع بالقواعد السياسية لا ينهي تأثيره، بل قد يدفعه إلى البحث عن مسارات بديلة خارج الديمقراطية.

الثاني : يتمثل في إعادة دمج الإسلاميين والقوى السياسية في المشهد دون مراجعة التجارب السابقة أو إخضاع المسؤوليات الفردية للعدالة. وهذا قد يحقق توافقًا شكليًا، لكنه يترك أسباب الأزمة قائمة، ويحوّل الانتقال إلى إعادة تدوير للنخب والصراعات بدل أن يكون تأسيسًا لنظام سياسي جديد.

الثالث، والأكثر توازنًا: مرحلة انتقالية محددة المدة تحمي فيها القوات المسلحة الدولة دون احتكار السياسة، وتتولى حكومة كفاءات وطنية غير حزبية إدارة الانتقال، مع إخضاع الجميع للقانون والعدالة الانتقالية دون إقصاء. ولا تُمنح الشرعية مسبقًا لأي طرف، بل تُتاح للجميع إعادة بناء تنظيماتهم وبرامجهم، ثم تُحسم المنافسة بانتخابات حرة بضمانات قانونية، ليكون الصندوق هو الفيصل، لا السلاح ولا الشارع ولا التوافقات المغلقة.

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن قضية الإسلاميين ليست معركة بقاء أو إقصاء، بل اختبار لقدرة بلادنا على بناء نظام سياسي لا يحتكر فيه طرف الشرعية ولا يُقصى فيه آخر بقرار سياسي. المطلوب قانون واحد وعدالة تحاسب الأفراد، لا التيارات، وانتخابات حرة تحسم التفويض الشعبي.

دمتم بخير وعافية.
الخميس 13 أغسطس 2026 م




إبراهيم شقلاوي

كاتب سياسي وباحث في الإعلام التنموي، عضو الاتحاد العام للصحفيين السودانيين.. له كتابات منشورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.