حذف الأصفار من عملة السودان يعود للواجهة.. فهل يخفض الأسعار؟

تراجع سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستويات غير مسبوقة في السوق الموازية، إذ بلغ سعر الدولار نحو 6000 جنيه، مقابل أقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. ويعكس هذا الانخفاض فقدان العملة المحلية نحو 90% من قيمتها أمام الدولار، في ظل معدلات تضخم مرتفعة، و تراجع الإنتاج، و اختلالات المالية العامة و الحسابات الخارجية، فضلاً عن تآكل القوة الشرائية للمواطنين.
و أعاد هذا التدهور الحاد إلى الواجهة مقترحات حذف 3 أصفار من العملة، باعتبارها خطوة قد تسهم في تبسيط المعاملات المالية وتقليل الأعباء المحاسبية الناتجة عن تضخم القيم الاسمية للأسعار والأجور.
غير أن خبراء الاقتصاد أكدوا أن إعادة ترقيم العملة لا تعني استعادة قيمتها الحقيقية تلقائياً، إذ يرتبط نجاح هذه الخطوة بقدرة السلطات على كبح التضخم، واستقرار سعر الصرف، وتنفيذ إصلاحات مالية و نقدية و اقتصادية تمنع تكرار تراجع القوة الشرائية.
تجربة سابقة
و ليست هذه التجربة الأولى من نوعها في السودان. ففي عام 2007 أعادت الحكومة التعامل بالجنيه بعد أكثر من 15 عاماً من تداول الدينار، وحذفت صفرين من العملة بحيث أصبح الجنيه الجديد يعادل 100 دينار.
إلا أن هذه الخطوة، بحسب الخبراء، كانت تغييراً في الوحدة الحسابية للعملة أكثر من كونها علاجاً للتضخم أو لاختلالات سعر الصرف.
اعتبارات فنية و اقتصادية
في هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن قرار حذف الأصفار يستند إلى اعتبارات فنية واقتصادية، أبرزها مستوى سعر الصرف والتوقعات المستقبلية للتضخم وقدرة الدولة على تجنب انهيار نقدي جديد.
كما حذر فتحي من أن تنفيذ الخطوة من دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة قد يؤدي إلى عودة الأصفار خلال فترة قصيرة، ما يقوض مصداقية الإجراء ويزيد الارتباك في الأسواق.
أسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم..زيادة 20 جنيهاً
هذا و شدد عدد من الخبراء على أن حذف الأصفار لا يؤدي بحد ذاته إلى خفض الأسعار أو زيادة الإنتاج أو تعزيز الاحتياطيات الأجنبية، بل يغير فقط القيمة الاسمية للأرقام، فيما تبقى القوة الشرائية مرتبطة بمستوى الأسعار والدخل الحقيقي وسعر الصرف.
فسلعة يبلغ سعرها مليون جنيه قبل حذف 3 أصفار ستصبح ألف جنيه بعد الإجراء نفسه، من دون أن يتغير سعرها الحقيقي اقتصادياً.
كذلك لا تقتصر مؤشرات تراجع الجنيه على سوق الصرف. إذ تجاوز سعر غرام الذهب الخام 700 ألف جنيه للمرة الأولى، وهو ما يعكس تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع كلفة الاحتفاظ بالثروة بها. ورغم أن الذهب يعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، فإن استمرار الضغوط على سعر الصرف يكشف عن تحديات أعمق تتعلق بضعف تدفقات النقد الأجنبي والثقة بالنظام المصرفي.
إصلاحات شاملة
و رأى هيثم أن نجاح أي عملية لحذف الأصفار يبقى مرهوناً بحزمة إصلاحات شاملة تشمل ضبط السيولة، و استقرار سعر الصرف، و إصلاح المالية العامة، وخفض التضخم، و دعم الإنتاج والصادرات، و تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، كما أن استقرار التوقعات التضخمية يعد عاملاً حاسماً، لأن فقدان الثقة بالعملة يدفع الأفراد والشركات إلى التوجه نحو العملات الأجنبية والذهب، ما يزيد الضغوط على الجنيه.
الجنيه السوداني يتراجع مع ارتفاع جديد في أسعار العملات الأجنبية
و في حال اعتماد إعادة ترقيم العملة، ستحتاج الأجور والمدخرات و الديون والعقود والأسعار إلى تعديلات محاسبية دقيقة، مع ضرورة منع أي استغلال للعملية في رفع الأسعار أو زيادة هوامش الأرباح. و بينما قد تحقق الخطوة مكاسب تشغيلية مثل تسهيل المعاملات وخفض تكاليف الطباعة و التداول، فإنها لا تمثل بديلاً عن معالجة المشكلات الاقتصادية الأساسية.
في المحصلة، فإن حذف 3 أصفار من الجنيه قد يقلص الأرقام المتداولة على الأوراق النقدية، لكنه لا يضمن استعادة قيمة العملة أو تحسين القوة الشرائية.
فالحل الحقيقي يظل رهناً بقدرة الاقتصاد السوداني على زيادة الإنتاج و الصادرات، واستقطاب النقد الأجنبي، وضبط التضخم، واستعادة الثقة بالمنظومة المالية. وبغير ذلك، قد تختفي الأصفار من العملة، فيما تستمر أسباب تراجعها على حالها.
العربية








