أبشر حسين يكتب: ذكريات المولد النبوي في أم درمان.. رحلة مع والدي بين الخيام والمناقب

ذكريات المولد النبوي في أم درمان.. رحلة مع والدي بين الخيام والمناقب

أبشر حسين

للاحتفال بالمولد النبوي طعمٌ خاص في أم درمان، وذكريات ممتعة من فترة الطفولة رسّخت في أنفسنا مشاعر وأحاسيس، كان لها واقعٌ مفعم بالمعرفة والمحبة للسيرة النبوية.

أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة

شخصيًا، كان لهذا الاحتفال أثرٌ بالغ في حياتى وتاثير كبير على طفولتى. كان هناك شعور لا يوصف بالفرح ونحن نعدّ الأيام ترقّبًا لقرب المولد، ولا زلت أذكر ذهابي يوميًا، في النصف الثانى من ستينيات القرن الماضي، مع والدي –رحمه الله– قبل صلاة المغرب. كنا نذهب مشيًا على الأقدام من منزلنا في خور أبو عنجة، مرورًا بشارع الفيل، حتى نصل إلى البلدية.

كان والدي يفضل دائمًا دخول ميدان المولد من البوابة الجنوبية، الواقعة بين بيت الخليفة ودار حزب الأمة –وفيهل سوق يُعرف بسوق الزلعة– حيث كان الباعة يعرضون اللحوم المشوية بانواعها و الساندويتشات والسلطات، خاصة سلطة الروب، والمشروبات مثل الليمون البارد والكركديه.
كنا ندخل ساحة المولد مع أذان المغرب، وكان والدي حريصًا على أداء الصلاة في خيمة السادة الختمية. وبعد الصلاة، نحضر جلسات المناقب، حيث تُقرأ السيرة النبوية. ونحن صغار، لكننا عرفنا كيف وُلد الرسول ﷺ، ومن حضر ولادته من النساء (قالت الشفاء: شافت روما)، وماذا حدث لنار المجوس، والأصنام، والبحيرة، وكيف وُلد مختونًا، وكيف فرح به الكون والملائكة، وكيف احتفل عمه أبو لهب بمولده بعتقه للجارية التي بشّرته بولادة النبي ﷺ.
عرفنا كيف عاش يتيمًا، ومن أرضعته، وقصة شق صدره، والبركة التي حلت على أسرة السيدة حليمة، وكيف كان الحجر يخاطبه. هذا السرد الجميل للسيرة النبوية في المولد كان له الأثر العميق في نفوسنا ونحن صغار، وساهم في تشكيل وعينا ونحن كبار.
بعد فترة من الجلوس نستمع للمديح:
“يا رب بهم وبأهلهم عجل بالنصر والفرجِ”
كنت أنظر إلى وجه “حفار” المليء بالبهجة والسرور.
ثم نتوجه إلى خيمة السادة الإدريسية، حيث نمكث بعض الوقت نستمتع بالأجواء الروحانية. وكيف لا، ونحن في حضرة آل البيت، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ:
“تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي.”
بعد ذلك، كنا نتحول لخيمة الأنصار، ثم خيمة الحكومة، وخيمة البرهانية، ونتوجه إلى خيمة الشيخ عبد الله الحاج. وكان والدي يستمتع بمديح القادرية، عرفت ذلك حين كبرت، وبدأت اتذكر انفعالات وجهه وهو يستمع إلى:
“مين مثل الريح؟”
وأنا صغير، كنت أندهش لانفعالات الدراويش في حلقة ناس الرابطة(مجموعة صوفية لها علاقة بالشيخ حمد النيل)، خاصة وأنا أشاهد أعمامي: يوسف عبد الله، وعبد الله الطيب، وهم في حالة من الجذب لم أفهم معناها إلا عندما كبرت.
لا أنسى عشاء المولد، الذي كان يتكون من السريد (العيش والرز واللحم الفاخر)، ويعقبه كوب شاي “مدنكَلَة”. وعند العودة للبيت، كان والدي –بإمكاناته المتواضعة– يشتري لنا حلاوة المولد، لي ولإخواني. ولا زلت أذكر “السمسمية” وحلاوة المولدعلى شكل حصان، التي كان ينتهي بها المطاف داخل قالب “كاستر” بعد أن تُعرض في فترينة أمي لعدة أسابيع.
كلما أسمع رائعة المجذوب “ليلة المولد”، التي يصدح بها الكابلي بصوته الفخيم، يمر أمامي شريط من الذكريات… شعور بالبهجة، والفرح، ونحن نُعبر عن حبّنا لرسول الله ﷺ.
أغتنم هذه الفرصة لأترحم على روح والدي، الذي منحني هذه الذكرى الغالية، برفقته الجميلة خلال أيام المولد، وأتذكر تعابير وجهه، ودموعه التي فضحته وهو يستمع لقصائد: حياتي، وود المكّاوي، وأبو شريعة، وود سعد، وقدورة، وود تميم، وأبو كساوي، وحاج الماحي…
التحية لكل محبي المصطفى ﷺ.

Exit mobile version