وداعاً الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم «ود إبراهيم».. أول امين لمجلس الصحافة والمطبوعات

وداعاً الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم «ود إبراهيم».. أول امين لمجلس الصحافة والمطبوعات.

عثمان شيخ الدين عكرة

رحل اليوم الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم، المعروف في الأوساط الصحفية والإعلامية بـ«ود إبراهيم» اب زرد بعد مسيرة حافلة بالعطاء في الصحافة والإعلام والعمل المؤسسي والأكاديمي، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ كان صحفيا أو إداريا أو مدربا ، وصاحب مدرسة في التعامل مع الكلمة والإعلام.

عثمان عكرة يكتب: صناعة النجم الصحفي في السودان… بين الموهبة وصناعة الصورة

عرفته عن قرب، وعملت معه في أحد المراكز الإعلامية في مجال الدراسات، وكانت تلك من التجارب التي أعتز بها كثيراً في مسيرتي. لم يكن «ود إبراهيم» بالنسبة لنا مجرد مسؤول أو زميل في العمل، بل كان معلماً ننهل منه المعرفة والخبرة والتجربة. كان يفتح أمامنا أبواباً واسعة لفهم الصحافة والإعلام، ويجعل من النقاش اليومي درساً، ومن الموقف المهني فرصة للتعلم.

وكان الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم من الأسماء التي ارتبطت بمرحلة مهمة في بناء المؤسسات الإعلامية السودانية. فقد كان من الأمناء العامين المؤسسين لمجلس الصحافة والمطبوعات، وهي مسؤولية جاءت في مرحلة كان فيها السودان في حاجة إلى بناء أطر مهنية وتنظيمية للعمل الصحفي، بما يحفظ للمهنة مكانتها ويضع لها قواعدها وضوابطها.

كما تولى إدارة أكاديمية علوم الاتصال، وأسهم من خلالها في مجال التدريب والتأهيل الإعلامي، وهو المجال الذي كان قريباً من شخصيته وفكره. فقد كان يؤمن بأن الإعلامي الحقيقي لا تصنعه الموهبة وحدها، وإنما تصنعه المعرفة والتدريب والتجربة والقدرة على التفكير النقدي.

ولم يكن «ود إبراهيم» بعيداً عن الصحافة اليومية والكتابة الصحفية؛ فقد كان صحفياً وكاتب عمود، وصاحب تجربة طويلة مع الكلمة. وكان عموده «شِئ للفن» مساحة خاصة عبّر من خلالها عن رؤيته للثقافة والفن والمجتمع، بأسلوب يحمل بصمته الخاصة، ويكشف عن شخصية كاتب يعرف كيف يلتقط التفاصيل الصغيرة ويمنحها معنى أوسع.

أذكره اليوم لا من موقع من يرثي شخصية عامة فحسب، وإنما من موقع تلميذ تعلم على يد أستاذ. وفي مثل هذه اللحظات لا تكفي عبارات الرثاء، لأن بعض الأشخاص لا يغادروننا تماماً؛ يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون حاضرين في طريقة تفكيرنا، وفي المهنة التي تعلمناها، وفي الكلمات التي نكتبها، وفي المواقف التي اتخذناها متأثرين بما تعلمناه منهم.

كان «ود إبراهيم» معلماً بطريقته الخاصة. لم يكن التعليم عنده محاضرة تلقى ثم تنتهي، بل كان ممارسة يومية. كنت تشعر وأنت تجالسه أنك أمام رجل يحمل رصيداً كبيراً من التجربة والمعرفة، وأن كل نقاش معه يمكن أن يفتح أمامك فكرة جديدة.

ومن الأشياء التي بقيت في الذاكرة أن جيله من الإعلاميين كان ينظر إلى الصحافة باعتبارها مهنة لها أخلاقها ورسالتها وذاكرتها. لم تكن الصحافة بالنسبة لهم مجرد وسيلة للظهور، وإنما كانت مسؤولية تجاه المجتمع، وتجاه الحقيقة، وتجاه الأجيال القادمة.

لقد عاش الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم زمناً مهماً من تاريخ الإعلام السوداني، وشهد تحولات الصحافة من الصحيفة الورقية إلى مراحل أكثر تعقيداً في عالم الاتصال والإعلام. وكان جزءاً من ذلك التحول، ومشاركاً في صناعة بعض مؤسساته، وواحداً من الذين أسهموا في إعداد أجيال من الإعلاميين.

ولذلك فإن رحيله ليس فقداً لأسرته وأصدقائه وتلاميذه وحدهم، وإنما هو فقد لذاكرة مهنية سودانية ينبغي ألا تضيع مع رحيل أصحابها.

إننا في السودان كثيراً ما نكتب عن الأشخاص بعد رحيلهم، ثم نكتشف أن جزءاً كبيراً من تاريخنا المهني والثقافي لم يوثق كما ينبغي. ورحيل «ود إبراهيم» يذكرنا مرة أخرى بأهمية توثيق تجارب جيل من الصحفيين والإعلاميين الذين حملوا المهنة في ظروف مختلفة، وشاركوا في تأسيس مؤسساتها، ودربوا أجيالها.

لقد كان الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم واحداً من هؤلاء.

وفي هذه اللحظة الحزينة، أتذكره معلماً تدربنا علي يديه التحرير وإدارة الصحف ، وأتذكر ما نهلناه منه من معرفة وخبرة قبل كل شيء.

رحم الله أستاذنا عبد الرحمن إبراهيم «ود إبراهيم».

رحم الله الرجل الذي علمنا أن وراء كل خبر قضية، ووراء كل كلمة مسؤولية، وأن الصحفي لا يعيش فقط بما يكتبه، وإنما بما يتركه من أثر في الناس.

رحل «ود إبراهيم»، لكن ما علمنا إياه سيظل حاضراً فينا، وفي كل من جلس إليه، أو عمل معه، أو قرأ له، أو نهل من تجربته.

إلى أسرته الكريمة، وإلى زملائه وتلاميذه ومحبيه، وإلى الأسرة الصحفية والإعلامية السودانية، خالص العزاء والمواساة.

نسأل الله أن يجعل كل ما قدمه للصحافة والإعلام والتعليم في ميزان حسناته، وأن يجعل علمه وأثره صدقة جارية لا تنقطع، وأن يسكنه فسيح جناته.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

Exit mobile version