عثمان عكرة يكتب: المنبر الإعلامي.. حين تنتقل الحقيقة من المكاتب إلى الميدان

المنبر الإعلامي.. حين تنتقل الحقيقة من المكاتب إلى الميدان

عثمان شيخ الدين عكرة

حين تحدث المستشار الإعلامي لوالي النيل الأبيض، الأستاذ الحاج أحمد المصطفى، أمس في المنبر الإعلامي، كان واضحاً أنه لا ينظر إلى المنبر باعتباره مجرد مناسبة لإصدار الأخبار أو نقل تصريحات المسؤولين، وإنما باعتباره أداة لردم الفجوة بين ما يجري على الأرض وما يصل إلى المتلقي.

عثمان عكرة يكتب: صناعة النجم الصحفي في السودان… بين الموهبة وصناعة الصورة

وهذه رؤية تتكامل، في تقديري، مع طبيعة العمل التنموي والخدمي الذي تقوده الولاية في ظروف بالغة التعقيد، في ظل تأثير الحرب على الاقتصاد السوداني، وتبدل الأولويات بين متطلبات الحرب وإعادة البناء وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

ولعل أهم ما في هذه التجربة أن الإعلاميين لا يظلون داخل قاعات الاجتماعات، بل ينتقلون إلى مناطق الولاية، يشاهدون ويسألون ويستمعون ويعايشون. ويكفي والي النيل الأبيض أنه، عقب تحرير المناطق، أصدر توجيهاته للمدير التنفيذي بالانتقال إلى الميدان مباشرة، وهي خطوة لا يمكن فهم تفاصيلها من خلال البيانات وحدها.

المشكلة أن جزءاً من المشهد ظل غائباً عن الإعلام الولائي، الأمر الذي جعل الصورة لدى المتلقي مشوشة، خصوصاً مع تكثيف بعض المنصات لصورة مغايرة لا تجد مساحة لتصحيحها إلا عندما تتاح المعلومات المباشرة.

وقد كشفت زيارتنا إلى أم رمتة أمس شيئاً مهماً. كنا نعتقد، وربما اعتقد كثيرون، أن الوالي لم يلتفت إلى أم رمتة إلا بعد ارتفاع بعض الأصوات الناقدة. لكن ما شاهدناه، وما قدمه المدير التنفيذي للمحلية، جعلنا نعيد النظر في هذه الصورة. لم تكن المشكلة بالضرورة في غياب الاهتمام، وإنما في غياب التغطية الإعلامية المتوازنة التي تنقل ما يجري إلى الناس، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وهنا تكمن واحدة من أزماتنا الإعلامية والمجتمعية: نحن أحياناً نميل إلى سماع الصوت الناقد أكثر من ميلنا إلى البحث عن الحقيقة كاملة. والأسوأ أن نقل الوقائع الإيجابية والأداء المسؤول أصبح عند البعض مرادفاً للتطبيل أو «كسير الثلج»، وكأن الصحفي مطالب بأن يبحث دائماً عن الخطأ، حتى عندما تكون الحقيقة مختلفة.

لو كان أصحاب هذه النظرة معنا في رحلة أم رمتة، لربما عاشوا معنا فصلاً من الإدهاش.

كانت معنا الأستاذة هدية علي، الكاتبة والصحفية المعروفة، والأستاذة إخلاص الهادي صحفية تصنع من الصحافة قصة إنسانية كاملة، والدكتور صديق السيد البشير، بخبرته الممتدة في الصحافة وقناة الشروق وغيرها من المحطات. وكان معنا وليد أبو الرجال، والخميني، والهادي قرن، ومختار مدير ، الذي جاء رغم ظرفه الصحي بحماسه وخبرته الطويلة، ويعقوب الحلو، المذيع الفخيم الذي تحول إلى صحفي استقصائي حقيقي، ولم يعد مجرد مذيع في إذاعة كوستي أو «بلادي».

وكان معنا أيضاً عبد العزيز من قناة الزرقاء، والعشا من قناة السودان، وشاب أنيق ومذهل في التصوير، ممثل قناة «مجتمعنا»، الذي شكل حضوره لوحة مشرقة في التوثيق.

أما نحن، فلم نذهب إلى أم رمتة في نزهة. كنا نحاول أن نمزج بين ما سمعناه من تقديرات، وما رأيناه في الميدان، وما وجدناه منشوراً في المواقع، وبين ما يستحقه أهلنا هناك من اهتمام. بدا الأمر في بعض لحظاته أقرب إلى لجنة محاسبة أو لجنة عدلية جاءت لتفهم وتسأل وتتحقق، لا وفداً جاء للزيارة والمجاملة.

قطعنا اليوم كله ذهاباً وإياباً، وتحمل الزملاء مشقة الطريق، وبعضهم جاء بدافع الرغبة وبعضهم بدافع العشم، لكن الجميع كانوا يبحثون عن شيء واحد: الحقيقة.

لهذا نشكر المستشار الإعلامي الذي جعل هذا النوع من الحضور ممكناً، ونشكر والي النيل الأبيض على رعايته لهذا المنبر، ولكل الزملاء الذين شاركوا وأسهموا في صناعة هذه التجربة.

لكن لدي ملاحظة أراها مهمة جداً: لا ينبغي أن تتوقف تغطية المنبر الإعلامي عند حدود الخبر.

ما يدور داخل هذا المنبر أكثر ثراءً من أن يختصر في خبر صحفي من بضعة أسطر. لذلك أتمنى أن يتم بث جلساته كاملة عبر منصة إلكترونية، وأن تجد طريقها كذلك إلى قناة فضائية أو نافذة إعلامية تتيح للناس مشاهدة الحوار كما جرى، لا كما اختصرته الأخبار.

فالصورة التي يصنعها المنبر لا ينبغي أن تُحجب عن المتلقي.

الإعلام الحقيقي لا يطلب من الناس أن يصدقوا رواية بعينها، وإنما يمنحهم فرصة أن يروا ويسمعوا ويسألوا، ثم يترك لهم حق تكوين الحكم.

وهذا، في تقديري، هو المعنى الحقيقي لمنبر إعلامي ينتقل من المكتب إلى الميدان.

Exit mobile version