أبشر حسين يكتب: حكاية ليلة في مسيد العارف بالله

حكاية ليلة في مسيد العارف بالله

أبشر حسين

في إحدى ليالي الخميس المترعة بالجماليات بمسيد العارف بالله، العالم النحرير الشيخ محمد الخير إبراهيم، والساعة قد قاربت الثالثة صباحًا، والكل منتشٍ بكلمات مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، والمادح يسمو بنا في عوالم من الصفاء الروحي، وهو يذكر المعجزات النبوية بصورة تجعل الأرواح كطفل صغير مندهش بطعم الحلوى في ليالي المولد.

أبشر حسين يكتب: ليلة من ليالي أمدرمان… عندما قادنا صوت خليل إسماعيل إلى عرس بحى الضباط

وبينما نحن في هذه الأجواء المبهجة، إذا بأحد الطلاب القرآنيين يخبر الشيخ بأن واحدًا من الطلبة قد أصيب بتشنجات. فطلب مني الشيخ أن أذهب إلى القرآنية لأعرف ما الحاصل. وجدت الطالب يتشنج، فأجرينا المعالجات والإسعافات اللازمة، بأن جعلناه يرقد على جانبه دون وضع أي شيء في فمه، وأبعدنا الأشياء التي قد تجرحه، وكذلك أبعدنا مبخرًا للنار كان بالقرب منه.

بعد أن هدأ، أخذت تاريخ المرض من أحد الطلبة المرافقين، فأخبرني أن الطالب المريض زائر وحضر اليوم وهو يعاني من تشنجات، ويتناول دواء التيجريتول، واليوم لم يتناول جرعة المساء. أحضر إلينا أحد الإخوان أدوات الكشف السريري، حيث توجد بالمسيد عيادة للمخ والأعصاب مجهزة بأدوات الكشف.

بعد انتهاء الكشف على الطالب، كان معي دكتور مازن (وهو الآن من كبار أطباء طب المجتمع) وكان في ذلك الوقت طبيب امتياز، وكذلك كان حولنا مجموعة من طلبة الطب من الحيران. ذهبت مع د. مازن لإحضار الدواء من الصيدلية، ووجدنا صعوبة في الحصول عليه حتى وصلنا صيدلية إبراهيم بأمدرمان، وهي تعمل أربعًا وعشرين ساعة.

كتبت الروشتة ونحن في العربة، ثم نزلنا من العربة، وكنا أنا ود. مازن نلبس جلاليب خضراء (شعار القوم). كان باب الصيدلية مغلقًا والصيدلي يتعامل من خلال نافذة. طرقنا النافذة، ففتح الصيدلي وسلمنا عليه، فرد علينا بتعالٍ. أعطيته الروشتة فجلب لنا الدواء، لكنه كان من شركة لا أحبها، وأعتبر، حسب أبحاثي، أن فعاليته قليلة.

قلت للصيدلي: “يا أخي، ممكن تدينا دواء من شركة تانية؟” (ولم أذكر اسم الشركة تأدبًا)، فرد عليّ بنبرة حادة: “شيل الدواء، إنت العارفك شنو!”. قلت له: “يا أخي، ممكن تشرح لي؟”، فرد: “إنتو الزيكم ديل ما بيفهموا!”. أدركت أنه يقصد الجلابية الخضراء التي نرتديها.

نظرت إليه وقلت: “يا ابن العم، عندك زمن تسمعني؟ أنا حأتكلم ليك عن الدواء ده لحدي ما الصبح يأذن”. بدأت أشرح له باللغة الإنجليزية عن الدواء، وهو مندهش كما وصفه بشرى الفاضل: “كعمامة أعرابي يدخل المدينة “.

قال لي مندهشًا: “إنت منو؟”، فقلت له بابتسامة وهدوء وبصوت مسرحي (كنت زمان مشروع ممثل بقصر الشباب): “أنا الخضر، أنا الخضر يا متعالي بعلم ضحل”.

ضحك أخي د. مازن حتى كاد يُصاب بنوبة إغماء (syncopal attack). عرفنا الصيدلي بأنفسنا، وقلت له: “دواؤك دا أنا عامل فيه دكتوراه. بتعرف الفيتوري لمن قال: جاهل مثلك من ظن الأشياء هي الأشياء”.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أعلم أن المسيد يعج بالمهندسين، والأطباء، والأساتذة، والبياطرة، والرياضيين، والزراعيين، والضباط، والموظفين. وتذكرت الجريدة الأسبوعية “المائدة”، التي كانت تصدر من المسيد وتُنتظر بشغف، لما تحتويه من مواد دسمة يشارك في كتابتها العشرات من العلماء.

كذلك، تذكرت الندوات التثقيفية الأسبوعية، وعيادة الجمعة التي يعمل فيها سبعة من جهابذة أطباء المخ والأعصاب، ومجموعة من أطباء الطب النفسي، وأخصائيي الباطنية، والتي أصبحت مركزًا للتنوير الطبي والبحث العلمي، يحضرها العشرات من نواب الأخصائيين وطلبة الطب من مختلف الجامعات، وتوفر الدواء للمرضى مجانًا.

وفوق ذلك كله، دروس التوحيد والفقه والتفسير التي يقوم بتدريسها الأستاذ الشيخ محمد الخير، والتي انتفع بها الكثيرون ،وكذلك القرانية التى خرجت الالاف من حفظة كتاب الله.




بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.