منى عبد الفتاح تكتب: خيارات مجلس السلم والأمن الأفريقي للحرب السودانية…أحلاها مر

خيارات مجلس السلم والأمن الأفريقي للحرب السودانية…أحلاها مر

منى عبد الفتاح

تمتلك السعودية، بحكم علاقاتها الإقليمية والدولية واستضافتها محادثات جدة، قناة تفاوضية سودانية لا يستطيع الاتحاد الأفريقي تجاهل وزنها، في حين توفر الآلية الخماسية إطاراً أوسع لتجميع الجهود الدولية والإقليمية.
وإذا اختار مجلس السلم والأمن الأفريقي التعامل مع المبادرات القائمة باعتبارها منافسة على النفوذ، فقد تكون عودة المكتب إلى الخرطوم نهاية لمسألة الحضور الأفريقي في الأزمة السودانية، لا سيما في ظل الفجوة القائمة بين الدور الذي يطالب به المجلس في إدارة الأزمة وقدرته الفعلية على التأثير في مسارها.

منى عبدالفتاح تكتب: دعوة يهود السودان بالعودة إلى مقرن النيلين

أتت زيارة وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم، الأحد الماضي، في لحظة يستعيد فيها الاتحاد الأفريقي صلته المباشرة بالملف السوداني، بعد انقطاع مؤسسي بدأ مع إجراءات الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وما أعقبها من تعليق عضوية السودان في المنظمة القارية.

وأجرى الوفد محادثات مع رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس وعدد من المسؤولين الحكوميين، في تحرك لمعالجة الأزمة السودانية باعتبارها ملفاً متشابكاً ذا بعد عربي- أفريقي مشترك، وبوصفها قضية تمس صميم منظومة السلم والأمن في القارة السمراء وامتداداتها الإقليمية.

وتكتسب إعادة فتح مكتب الاتصال التابع للاتحاد الأفريقي في السودان دلالة تتجاوز الجانب الإداري للخطوة. فالحضور الميداني يمنح المنظمة قدرة أكبر على متابعة التطورات من داخل البلاد، وإدامة التواصل مع مؤسساتها، وتوفير الدعم الفني، وربط الاتصالات السياسية بالآليات الأفريقية المعنية بالسلام والأمن. وفي أزمات من هذا النوع، لا تقاس قيمة الحضور الدبلوماسي بما يصدر عنه من بيانات، بقدر ما تتصل بقدرته على البقاء قريباً من مراكز القرار، ومتابعة التحولات التي قد تفتح، في لحظة ما، نافذة لتسوية أوسع.

ومن هنا تبدو عودة مجلس السلم والأمن إلى الخرطوم جزءاً من استعادة تدريجية للدور الأفريقي المتكامل مع شركاء إقليميين. فالمنظمة لا تعود إلى المشهد من موقع المراقب، وإنما تحاول تثبيت قناة مؤسسية تتيح لها مواصلة العمل من الداخل، والحفاظ على صلة مباشرة بالسلطات السودانية، ودعم مساعي صنع السلام. كما حملت الخطوة تأكيداً ضمنياً على أن تسوية الحرب لا ينبغي أن تنفصل عن الإطار القاري، إذ يملك الاتحاد الأفريقي، بحكم موقعه، مصلحة مباشرة في استقرار السودان ومنع امتداد تداعياته إلى محيطه.

قناة اتصال

منذ أن أنشأ الاتحاد الأفريقي “مجلس السلم والأمن” ودخل حيز النفاذ في 2003، منحه ولاية واسعة في منع النزاعات وإدارتها وتسويتها، مع إبقاء هذه الولاية محكومة بحساسية السيادة الوطنية وبالطبيعة التوافقية للنظام الأفريقي. وبعد عامين فقط، اكتسب دوره في السودان بعداً تاريخياً، إذ كان الحضور الأفريقي جزءاً من هندسة الترتيبات التي أعقبت اتفاق السلام الشامل في عام 2005، ثم اتسعت مسؤولياته مع أزمة دارفور، والعلاقة بين السودان ودولة جنوب السودان بعد الانفصال. وبعد سقوط الرئيس السابق عمر البشير في 2019، عاد الاتحاد الأفريقي إلى قلب العملية السياسية، ودفع باتجاه انتقال مدني، وشارك في الاتصالات التي أفضت إلى ترتيبات تقاسم السلطة في أغسطس (آب) من العام نفسه. كما ظل مكتبه في الخرطوم قناة اتصال مباشرة بين المؤسسات الأفريقية والفاعلين السودانيين.

وتفسر هذه السابقة أهمية مكتب الاتصال بوصفه واجهة دبلوماسية وعيناً مؤسسية للاتحاد داخل السودان، تتيح له جمع المعلومات، ومتابعة التحولات السياسية، وإدامة الاتصال بالأطراف، وتحويل قرارات “مجلس السلم والأمن” من نصوص صادرة في أديس أبابا إلى اتصالات ومبادرات تُختبر داخل الخرطوم. وقد أكد الاتحاد نفسه، في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضي، أن إعادة فتح المكتب تستهدف تعزيز التواصل مع الأطراف السودانية ودعم مسار سياسي سوداني شامل.

وتكمن إحدى المفارقات في التجربة الأفريقية، في أن الاتحاد طوّر أدوات أكثر تقدماً من تلك التي امتلكتها منظمة الوحدة الأفريقية، لكنه لم يتحول إلى “سلطة فوق وطنية” تستطيع فرض إرادتها بصورة مستقلة عن الدول الأعضاء. فقرارات مجلس السلم والأمن تعمل داخل نظام سياسي يقوم على التفاوض والإقناع وتعبئة الإرادة الجماعية، بينما تظل أدوات التنفيذ مرتبطة بالقدرة السياسية والمالية للدول الأعضاء. ولذلك تبدو قوة المجلس، في كثير من الأزمات، رهناً بقدرته على تحويل الشرعية القارية إلى نفوذ سياسي فعلي.

وتعيد الحرب الحالية جدلاً قديماً عن كيفية ممارسة الاتحاد الأفريقي نفوذاً يتناسب مع المرجو منه في حفظ السلم القاري، ومدى قدرته على الجمع بين شرعيته القارية وحضوره الميداني واستمرارية الوساطة، وهي عناصر لا توفرها البيانات والقرارات وحدها.
قضايا عدة

تضع زيارة وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم مجموعة من القضايا في صلب المقاربة القارية للحرب السودانية، في مقدمها مستقبل الحرب ومسار التسوية السياسية. فقد جاء اللقاء مع البرهان في سياق تأكيد أفريقي على أن استمرار القتال لا يفتح طريقاً مستقراً لإعادة بناء الدولة، وأن التسوية المنشودة تظل سياسية في جوهرها، وقائمة على الحوار والمصالحة والتوافق الوطني. وينسجم ذلك مع الموقف الذي عبّر عنه الاتحاد الأفريقي خلال الأشهر الماضية، حين دعا إلى وقف فوري وقابل للتحقق ومستدام للأعمال العدائية، تمهيداً لمسار سياسي شامل بقيادة سودانية.

وتبرز، في المرتبة الثانية، مسألة وحدة الدولة وسيادتها. فالخطاب الأفريقي لا يتعامل مع الحرب باعتبارها تنازعاً عسكرياً بين طرفين فحسب، وإنما باعتبارها أزمة تهدد البنية السياسية والإقليمية للدولة السودانية. ومن هنا يأتي رفض قيام كيانات أو حكومات موازية، والتشديد على سلامة الأراضي ووحدة المؤسسات، باعتبارها شروطاً سابقة لأي ترتيب سياسي قابل للحياة.

أما القضية الثالثة فتتصل بـطبيعة المرحلة السياسية التي تلي الحرب. فالموقف الأفريقي يربط إنهاء النزاع بإعادة بناء نظام دستوري، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة، أي إن وقف القتال، في التصور القاري، لا يمثل نهاية المسار وإنما بدايته السياسية.

وتتصل بذلك قضية رابعة هي حجم الدور الخارجي في الحرب. فقد ظل الاتحاد الأفريقي يحذر من التدخلات التي تزيد النزاع تعقيداً، مؤكداً أن تكون الأولوية للمبادرات الدولية والإقليمية التي تراعي وحدة المسار السياسي السوداني.

كما تعكس الزيارة محاولة لإعادة تثبيت مجلس السلم والأمن في هندسة التسوية، باعتباره الجهاز القاري المعني بالوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها، وتستند مهمته إلى منظومة مؤسسية أنشئت لهذا الغرض تحديداً.
ميزان النفوذ

تكشف الحرب السودانية حدوداً أكثر تعقيداً لنفوذ الاتحاد الأفريقي مما توحي به كثافة مواقفه وبياناته. فالمشكلة ليست في غياب الموقف السياسي، إذ ظل الاتحاد يرفض الحل العسكري، ويتمسك بوحدة السودان وسيادته، ويدعو إلى وقف القتال ومسار سياسي سوداني شامل، كما دان التدخلات الخارجية وطالب بوقف الدعم العسكري والمالي للأطراف المتحاربة. لكن الفارق بين إعلان الموقف والقدرة على تحويله إلى سلوك ملزم يظل هو المسألة الحاسمة.

أول العوامل هنا هي ميزان النفوذ، فالاتحاد الأفريقي يملك شرعية قارية، لكنه لا يملك بالضرورة أدوات النفوذ التي تكفي لتغيير حسابات قوى ترى في السودان جزءاً من ترتيبات أمنية ومصالح إقليمية أوسع. وعندما تتعارض قواعد المنظمة مع مصالح الدول، تصبح قدرة الاتحاد على الردع محدودة، خصوصاً إذا لم تتوافر آلية عقابية أو كلفة سياسية واضحة لمَن يتجاوز مواقفه.

والعامل الثاني هو مشكلة الوساطة نفسها، فتعدد المبادرات شكل دليلاً على الاهتمام الدولي بالسودان، لكن تشابك القضايا أسهم في تشتت مسارات السلام، وقد دعت مبادرات عدة في مقدمها المبادرة السعودية إلى ضرورة التنسيق. وهذه ليست مشكلة تنظيمية فحسب، فالوساطات تفقد جزءاً من قيمتها حين تجتمع الأطراف المؤثرة حول قواعد تفاوض واحدة.

أما العامل الثالث، فهو اختبار المصداقية، إذ ليس دقيقاً القول إن الاتحاد أخفق لمجرد استمرار الحرب، فالمنظمات الإقليمية لا تستطيع وحدها إيقاف نزاع تتوافر لأطرافه القدرة والرغبة في مواصلة القتال. لكن استمرار الحرب يكشف بوضوح أن الدبلوماسية الأفريقية لم تتحول بعد إلى نفوذ قادر على تعديل حسابات طرفي النزاع. لذلك، فإن إعادة الحضور الأفريقي في الخرطوم مهمة، لكنها لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها استعادة تلقائية للدور القيادي. وستتحدد قيمتها الفعلية بقدرة الاتحاد على تحويل الحضور إلى معلومات ونفوذ وتنسيق وضغط سياسي. وهذا تحديداً هو الاختبار الأصعب، ليس أن يكون الاتحاد حاضراً في الأزمة، بل أن يصبح وجوده عاملاً مؤثراً في مسارها.
خيارات صعبة

قد تضع الفترة المقبلة أمام مجلس السلم والأمن خياراً أكثر صعوبة، بين الاكتفاء بتطوير أدوات الوساطة القائمة، أو الانتقال تدريجاً إلى بناء قدرة تنفيذية أكثر تماسكاً. وليس المقصود بالضرورة إنشاء سلطة فوق وطنية واسعة، وهو خيار سيصطدم على الأرجح بحساسية السيادة، وإنما تطوير أدوات محددة تجعل بعض قرارات المجلس قابلة للتحويل إلى إجراءات عملية، لا سيما في مجالات وقف إطلاق النار، ومراقبة الالتزام، وحماية المدنيين، وتنسيق العقوبات، ومنع تدفق السلاح. فالمجلس يمتلك بالفعل ولاية واسعة تشمل صنع السلام، وإدارة النزاعات، وإجازة عمليات دعم السلام، وفرض العقوبات في حالات التغيير غير الدستوري، غير أن الفارق بين الاختصاص القانوني والقدرة التنفيذية سيظل هو العامل الحاسم.

ومن المرجح أن تصبح وحدة مسارات الوساطة شرطاً أكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تعدد الوسطاء، وإنما بقدرة كل مسار على تحويل نفوذه إلى جزء من تسوية واحدة.

وتمتلك السعودية، بحكم علاقاتها الإقليمية والدولية واستضافتها محادثات جدة، قناة تفاوضية لا يستطيع الاتحاد الأفريقي تجاهل وزنها، في حين توفر الآلية الخماسية إطاراً أوسع لتجميع الجهود الدولية والإقليمية. ومن ثم، فإن دخول الاتحاد في منافسة مباشرة مع هذه المسارات لن يخدم موقعه، إذ قد ينتهي به الأمر إلى خسارة المبادرة السعودية، أو فقدان موقعه داخل الإطار الخماسي، بدلاً من توظيف الحضور الأفريقي بوصفه مكوناً مكملاً لهذه الجهود.

والخيار الأكثر واقعية أمام الاتحاد هو بناء دور متكامل لا دور موازٍ، بأن يستثمر شرعيته القارية وحضوره الميداني وصلاته بالمؤسسات السودانية، ثم يربط ذلك بالمسارات التفاوضية القائمة. وفي هذه الحالة تصبح العودة إلى الخرطوم وسيلة لتعزيز موقعه داخل هندسة الوساطة، لا محاولة لإعادة رسمها من الصفر.

أما إذا اختار التعامل مع المبادرات القائمة باعتبارها منافسة على النفوذ، فقد تكون عودة المكتب إلى الخرطوم نهاية لمسألة الحضور الأفريقي في الأزمة السودانية، لا سيما في ظل الفجوة القائمة بين الدور الذي يطالب به في إدارة الأزمة والقدرة الفعلية على التأثير في مسارها.




منى عبد الفتاح

كاتبة صحفية سودانية وباحثة مختصة في الشأن السوداني والأفريقي عملت بعدد من الصحف العربية والمراكز البحثية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.