رشان اوشي تكتب: كيف يصنع البحر الأحمر مستقبل السودان؟

كيف يصنع البحر الأحمر مستقبل السودان؟

رشان أوشي

حين اشتدّ لظى الحرب في الخرطوم، تحوّل البحر الأحمر إلى قدر يصنع المستقبل؛ فتح الساحل الشرقي للسودانيين ذراعيه ليكون الملاذ والملجأ، واحتضنت “بورتسودان” ملايين النازحين من مختلف الولايات، ومدّت يداً بيضاء للدولة حين اتخذتها عاصمة إدارية مؤقتة في مرحلة استثنائية، سبقت العودة المرتقبة إلى الخرطوم.

رشان اوشي تكتب: لماذا تعادي إثيوبيا السودان ؟

وفي غمرة الأزمة، أعاد السودانيون اكتشاف “درة بحرية” تتكئ على أحد أصلب المشاريع الاستراتيجية في البلاد: “الموانئ الوطنية”. “بورتسودان” لم تعد مدينة ساحلية فحسب؛ بل كشفت الحرب عن مقومات تؤهلها لأن تكون عاصمة اقتصادية جادة ومؤثرة في القرار الوطني. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يتطلب رؤية تنموية استثنائية، تبدأ بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.

فليس من المنطق أن تظل مدينة بهذا الثقل الاستراتيجي رهينة للإمداد الكهربائي القادم من سد مروي، وتحت رحمة الأعطال الفنية المتكررة. ومن هنا، فإن الإسراع في استكمال محطة كهرباء “كلانييب” أصبح ضرورة أمنية واقتصادية لا تحتمل التأجيل.

ورغم التحديات، شهدت “بورتسودان” خلال الفترة الماضية حركة تنموية متسارعة شملت قطاعات خدمية مختلفة، وأسست لملامح جديدة للنهوض. وفي مقدمة هذه الملفات جاءت المياه، باعتبارها التحدي الأكبر لمدينة تضاعف عدد سكانها. ومن الحلول العاجلة إلى البحث عن خيارات مستدامة، تحركت الولاية باتجاه مشروع مياه النيل الممتد، بالتوازي مع إجراءات عاجلة لتعزيز مصادر المياه القائمة. وقد تمكنت حكومة الولاية من إدارة أزمة المياه بكفاءة، والحيلولة دون حدوث شح مائي واسع، رغم الضغط الاستثنائي الذي فرضته الحرب.

وفي هذا السياق، جرى تأهيل الخزان الرابع لسد أربعات بتمويل من “جهاز المخابرات العامة”؛ حيث شملت الأعمال تأهيل وتوسعة جسم السد، ورفع سعته التخزينية إلى نحو (7) ملايين متر مكعب، إلى جانب تأهيل المخرج وتعزيز إجراءات حماية السد والمناطق المجاورة من أخطار الفيضانات. وبحسب معلومات استقصائية تحصلنا عليها من مصادرنا ، وقّعت حكومة البحر الأحمر عقود تنفيذ خمسة سدود جديدة، من بينها سدا “عروس” و”أندرايديب”، إلى جانب إنشاء محطة لتحلية المياه بطاقة تصل إلى 50 ألف متر مكعب بنظام الـ (BOT)،بجانب التواصل مع المملكة العربية السعودية لإنشاء محطات تحلية كبرى.

وعادت عجلة العمل إلى شوارع “بورتسودان” بعد سنوات من التوقف؛ إذ تمت إعادة سفلتة نحو (77) كيلومتراً من الطرق الداخلية بعد توقف دام أكثر من أربعة أعوام، إلى جانب البدء الفعلي في سفلتة طريق (بورتسودان – طوكر) بطول (17) كيلومتر، وهو الملف الذي ظل لسنوات عقدة مؤجلة أرهقت الحكومات المتعاقبة على الولاية.

كما شهدت المدينة تحولاً مبهراً في مجال الخدمات الصحية، بافتتاح مركز الطوارئ والإصابات، بوصفه أول مستشفى متخصص للطوارئ من هذا النوع على مستوى السودان، إلى جانب افتتاح مركز “إيلا” للقلب، بما يخفف عن المرضى مشقة رحلات العلاج إلى الخرطوم ومروي. يُضاف إلى ذلك تأهيل مستشفى الولادة، وتطوير مستشفى الأطفال وتجهيزه بحضانات حديثة عبر دعم “مركز الملك سلمان للإغاثة”، بما يقلل الاعتماد على القطاع الخاص وتكاليفه الباهظة. وشملت أعمال التطوير كذلك صيانة مستشفى “عثمان دقنة”، وافتتاح مركز آخر لغسيل الكلى، إلى جانب افتتاح مركز للأطراف الصناعية.

إن هذه المشروعات الخدمية تُعتبر اللبنات الأولى لإعادة تعريف “بورتسودان” ودورها في الدولة السودانية؛ فالحرب، رغم قسوتها، كشفت حقيقة ظلت كامنة لسنوات: أن الساحل الشرقي ليس مجرد منفذ بحري للسودان، وإنما يمكن أن يكون مركزاً اقتصادياً واستراتيجياً، إذا توافرت له البنية التحتية والطاقة والمياه والخدمات التي تتناسب مع موقعه وثقله.
تؤكد تجربة “بورتسودان” خلال الأزمة أن إرادة الصمود تستطيع تحويل تحديات الحرب والنزوح إلى فرصة للبناء والاستقرار. وما تم انجازه في قطاعات المياه والصحة والطرق يمثل أساساً مهماً لساحل سوداني واعد، قادر على صناعة مقومات العاصمة الاقتصادية.

لكن تبقى الكهرباء هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ فمدينة تحمل كل هذا الثقل الاقتصادي والاستراتيجي لا يمكن أن تبني مستقبلها على إمداد هش ومتذبذب. لقد قطعت “بورتسودان” نصف الطريق نحو أن تكون عاصمة السودان الاقتصادية؛ وما ينقصها الآن ليس الموقع ولا الإرادة، وإنما بنية تحتية تليق بالدور الذي فرضته عليها الجغرافيا والحرب… وفي مقدمة ذلك: كهرباء مستقرة، لأن انقطاعها قد يطفئ أحلام مدينة كاملة.

محبتي واحترامي




رشان اوشي‎

صحيفة سودانية تكتب في السياسة والتحقيقات الاستقصائية، عملت بعدد من الصحف السودانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.