عمسيب: تعقيبا على خبر نهب مليون دولار من بنك سوداني ..حين تُهدر الكفاءة… يدفع الوطن الثمن

تعقيبا علي خبر الاحتيال علي بنك معروف بمبلغ مليون دولار ..
..
حين تُهدر الكفاءة… يدفع الوطن الثمن
قصة خسارة مليون دولار بسبب رسالة بريد إلكتروني مزيفة ليست مجرد حادثة مصرفية عابرة، ولا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها خطأ موظف أو مدير وانتهى الأمر.
هذه الحادثة تفتح باباً أكبر بكثير: كيف تُدار الكفاءات داخل مؤسساتنا؟ ومن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟ وهل أصبحت الشهادة والخبرة والكفاءة أقل قيمة من المعرفة والواسطة والعلاقات؟

عسجد الكاظم تلجأ للقضاء بعد إلغاء رخصة شركتها و تنفي ارتباطها بتمويل أو نفوذ إماراتي

الجنيه السوداني أمام الدولار يعيد النقاش حول حذف الأصفار
في المؤسسات المصرفية تحديداً، لا يكفي أن تكون لديك أنظمة تقنية وضوابط مكتوبة وسياسات لمكافحة الاحتيال. الأهم أن تكون لديك كفاءات قادرة على فهم المخاطر، واكتشاف أساليب الاحتيال الحديثة، وتطبيق الضوابط في الوقت المناسب.
فالاحتيال عبر البريد الإلكتروني ليس ظاهرة جديدة. وموضوع تغيير بيانات الحسابات في التحويلات المالية من الأساليب المعروفة عالمياً، وهناك ضوابط واضحة للتعامل معها، من أهمها التحقق المستقل من طلب تغيير بيانات المستفيد، وعدم الاعتماد على البريد الإلكتروني وحده، ووجود مبدأ الفصل بين الصلاحيات والتحقق المزدوج في العمليات عالية القيمة.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق هو:
هل نضع الكفاءات التي نملكها فعلاً في الأماكن التي تستطيع أن تضيف فيها أكبر قيمة؟
وهنا أتحدث عن تجربة شخصية.
أنا شخص مؤهل مهنياً، وحاصل على شهادة CISA – Certified Information Systems Auditor، وهي من الشهادات المهنية المتخصصة في تدقيق نظم المعلومات والحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني، وليست شهادة يحصل عليها عدد كبير من الأشخاص.
ومع ذلك، أجد نفسي أعمل في وظيفة أقل بكثير من مستوى التأهيل الذي أحمله.
المشكلة بالنسبة لي ليست في العمل أياً كان نوعه، فأنا أؤمن أن كل وظيفة محترمة، وأن قيمة الإنسان لا ترتبط بمسمى وظيفته.
لكن المشكلة الحقيقية هي أن المؤسسة قد تمتلك شخصاً لديه تأهيل مهني يمكن أن يخدم في مجالات التدقيق التقني، والحوكمة، وإدارة مخاطر تقنية المعلومات، والأمن السيبراني، والرقابة على الأنظمة، ثم لا تستفيد من هذه الإمكانيات في المكان الذي يمكن أن تحقق فيه أكبر عائد للمؤسسة.

والأصعب من ذلك أن يكون الاعتقاد السائد أن الشخص يستطيع خدمة المؤسسة من أي موقع.
نعم، يمكن للإنسان أن يخدم مؤسسته من أي موقع.
لكن السؤال الأهم: أين يمكن أن يخدمها بصورة أفضل؟

هذه هي النقطة التي كثيراً ما نفتقدها.
الكفاءة ليست مجرد شهادة تُعلق على الحائط، وإنما استثمار يجب أن تستفيد منه المؤسسة. والشهادة المهنية لا تعني أن صاحبها أفضل من الآخرين، لكنها تعني أن لديه معرفة واختبارات ومعايير مهنية يمكن توظيفها في المكان المناسب.
عندما يصبح الوصول إلى الوظائف القيادية والتخصصية مرتبطاً بالواسطة والمعرفة أكثر من ارتباطه بالكفاءة، فإن الخاسر في النهاية ليس الموظف وحده.
الخاسر هو المؤسسة، ثم الاقتصاد، ثم الوطن.
الكفاءة التي لا تجد مكانها داخل وطنها تبدأ في البحث عن مكان آخر.

والطموح الذي لا يجد تقديراً يتحول إلى إحباط.
والشخص الذي يستثمر سنوات من عمره في التعليم والتدريب والحصول على الشهادات المهنية، ثم يكتشف أن العلاقات أقوى من التأهيل، يبدأ في طرح السؤال الأصعب:
لماذا أبقى؟
وهكذا تتحول الدول تدريجياً إلى بيئات طاردة لأصحاب الكفاءة والطموح، بينما تستقطب دول أخرى هذه الكفاءات وتمنحها الفرصة التي لم تجدها في وطنها.
ولذلك، عندما نتحدث عن هجرة العقول، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا غادروا؟
بل يجب أن نسأل أولاً:

ماذا فعلنا حتى جعلناهم يريدون المغادرة؟
قصة المليون دولار يجب ألا تنتهي عند لجنة تحقيق وتحديد مسؤولية شخص أو اثنين.
يجب أن تكون فرصة لمراجعة أعمق: مراجعة أنظمة الرقابة، وضوابط التحويلات، والأمن السيبراني، والتدريب، والأهم من ذلك كله منظومة اختيار وتوظيف وتوزيع الكفاءات داخل المؤسسات.
فربما يكون لدينا في المؤسسة الشخص الذي كان يمكنه اكتشاف الخطر قبل وقوعه، أو وضع الضابط الذي يمنع الخطأ، أو تصميم الإجراء الذي يحمي المال.
لكن السؤال هو:

هل وضعناه في المكان الذي يستطيع فيه أن يفعل ذلك؟
هذه ليست قضية شخصية.
وليست شكوى من وظيفة.
إنها قضية وطن.
لأن السودان لا تنقصه العقول، ولا تنقصه الشهادات، ولا تنقصه الطاقات.
ما ينقصنا أحياناً هو أن نؤمن بأن الكفاءة يجب أن تكون طريقاً للوصول، لا الواسطة.
وأن نضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ليس مجاملةً له، وإنما حمايةً للمؤسسة وخدمةً للوطن.
فالمليون دولار التي يمكن أن تضيع بسبب رسالة بريد إلكتروني مزيفة قد تكون ثمناً باهظاً لخطأ إداري أو رقابي.
أما ملايين الدولارات التي نخسرها كل عام بسبب إهدار الكفاءات والطموحين ووضعهم في غير مواقعهم، فهي خسارة لا تظهر في ميزانية البنك، لكنها تظهر في مستقبل الوطن.

‎عبدالله عمسيب




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.