حظر الطيران فوق السودان .. حماية للمدنيين أم ورقة ضغط على الجيش ؟

حظر الطيران فوق السودان .. حماية للمدنيين أم ورقة ضغط على الجيش ؟

تقرير

عاد الحديث عن فرض حظر جوي على السودان إلى الواجهة باعتباره امتدادًا لملف سياسي ودبلوماسي ظل حاضرًا خلال الأشهر الماضية. ويرتبط الطرح بالتحركات التي يقودها مسعد بولس ضمن الجهود والضغوط الأمريكية الرامية إلى دفع طرفي الحرب نحو تسوية سياسية ووقف القتال.

لكن التعامل مع هذا الملف يجب أن يضع في الاعتبار حقيقة أساسية وهي أن فرض منطقة حظر جوي على دولة تشهد حربًا داخلية ليس قرارًا فنيًا بسيطًا. فهو يحتاج إلى ترتيبات سياسية وقانونية وعسكرية معقدة وقد يصطدم بانقسامات داخل مجلس الأمن وبمواقف الدول دائمة العضوية.

ومن المنظور السوداني تبرز مخاوف مشروعة من استخدام فكرة الحظر الجوي كأداة ضغط سياسي أو كوسيلة لتقييد قدرة القوات المسلحة السودانية على مواجهة قوات الدعم السريع. فالجيش السوداني يمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة بينما تخوض البلاد حربًا ضد قوات متمردة على الدولة. ومن ثم فإن أي إجراء دولي يجب ألا يؤدي بصورة غير مباشرة إلى منح طرف غير حكومي ميزة عسكرية أو إلى اختلال ميزان الصراع لمصلحة الميليشيا المتمردة .

وهنا يجب الفصل بوضوح بين حماية المدنيين وسلامة الطيران المدني وبين التدخل في مسار العمليات العسكرية. حماية المدنيين هدف مشروع يجب دعمه لكن تحويل المجال الجوي إلى ورقة ضغط على أحد أطراف الصراع قد يخلق نتائج عكسية ويزيد تعقيد الأزمة بدلًا من حلها.

أما بالنسبة للطيران المدني فإن أي قيود واسعة على المجال الجوي السوداني ستكون لها تداعيات مباشرة على حركة الطيران. وقد تؤدي إلى تغيير المسارات الجوية وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين وتراجع عدد الرحلات وربما عزوف بعض شركات الطيران عن تشغيل وجهات سودانية.

وهنا تبرز اتفاقية شيكاغو لعام 1944 التي تقوم عليها منظومة الطيران المدني الدولي. فالمادة الأولى منها تقر بسيادة الدولة الكاملة والحصرية على المجال الجوي فوق إقليمها. وفي الوقت نفسه تلتزم الدول بتوفير بيئة آمنة ومنظمة للطيران المدني وفق المعايير الدولية.

كما ترتبط القضية بعدد من ملاحق منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو» : فالملحق الحادي عشر يتناول خدمات الحركة الجوية وإدارة المجال الجوي والملحق الخامس عشر يتعلق بمعلومات الطيران ونشر التحذيرات والقيود الجوية. أما الملحق الرابع عشر فيرتبط بسلامة المطارات ومنشآتها بينما يتناول الملحق السابع عشر أمن الطيران والحماية من أعمال التدخل غير المشروع.

وفي مناطق النزاعات تزداد أهمية إدارة المخاطر ونشر المعلومات الدقيقة حول المناطق الخطرة والمسارات التي قد تشكل تهديدًا للطائرات المدنية. ولذلك فإن أي إجراءات تتعلق بالمجال الجوي السوداني ينبغي أن تضع سلامة الطيران المدني في مقدمة الاعتبارات ، لكن كذلك يجب أيضا ألا تتحول إلى عقوبة جماعية تطال شركات الطيران والمطارات والمسافرين.

والأهم أن السودان يجب ألا يسمح بتحويل ملف الطيران المدني إلى «كرت ضغط» سياسي أو عسكري ضد القوات المسلحة السودانية في معركتها مع الميليشيا المتمردة. فمعالجة الحرب يجب أن تتم عبر المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية المناسبة وليس من خلال إجراءات قد تقيد المجال الجوي للدولة بصورة تؤثر في قدرتها على الدفاع عن أراضيها.

وفي الوقت نفسه فإن الدفاع عن سيادة السودان الجوية لا يعني تجاهل سلامة المدنيين. بل المطلوب هو تحقيق معادلة واضحة: حماية الطيران المدني وحماية المدنيين مع احترام سيادة الدولة وعدم استخدام قواعد الطيران الدولي كأداة لتغيير موازين الصراع العسكري.

كما أن أي قرار دولي محتمل يجب أن يراعي مبدأ عدم الإضرار بالطيران المدني. فالطائرات المدنية والمطارات وخدمات الملاحة الجوية ليست أطرافًا في الحرب ولا ينبغي أن تتحمل تبعات الصراع السياسي والعسكري.

ومن الخطأ كذلك التعامل مع الحديث عن الحظر الجوي باعتباره قرارًا وشيك التنفيذ. فبين طرح الفكرة وتحويلها إلى قرار دولي ثم توفير آليات لتنفيذها مسافة سياسية وقانونية وعسكرية كبيرة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن تجعل تمرير أي صيغة مثيرة للجدل أمرًا بالغ التعقيد.

إن المعركة الحقيقية أمام السودان اليوم هي الحفاظ على سمائه مفتوحة وآمنة أمام الطيران المدني مع حماية سيادته على مجاله الجوي. وهذا يتطلب تحركًا دبلوماسيًا وفنيًا نشطًا مع الإيكاو والدول الأعضاء وشركات الطيران ومقدمي خدمات الملاحة الجوية.

فالطيران المدني السوداني يجب ألا يدفع ثمن الحرب مرتين: مرة بسبب تدمير البنية التحتية وتعطّل التشغيل ومرة أخرى بسبب استخدام المجال الجوي كورقة ضغط في الصراع السياسي.

والرسالة الأهم أن حماية المدنيين وسلامة الطيران هدف لا خلاف عليه، لكن تحويل الحظر الجوي إلى أداة تستهدف طرفًا بعينه أو تعيد تشكيل ميزان القوة على الأرض سيكون مسارًا مختلفًا تمامًا.

السودان يحتاج إلى سلام عادل ومستدام، ويحتاج في الوقت ذاته إلى سماء آمنة وسيادة جوية كاملة وطيران مدني قادر على الاستمرار والعودة إلى دوره الطبيعي في ربط السودان بالعالم.

لذلك فإن أي نقاش دولي حول الأجواء السودانية يجب أن يبدأ من قاعدة واضحة: حماية الطيران المدني نعم، استخدام السماء السودانية كورقة ضغط في الحرب لا …




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.