من اجتماعين في حديقة المقرن خرج الحزب الجمهوري والشيوعي: الجذرية الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية

من اجتماعين في حديقة المقرن خرج الحزب الجمهوري والشيوعي: الجذرية الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية
عبد الله علي إبراهيم (1-2)
(خرج الحزب الجمهوري للاستاذ محمود محمد طه والحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو، الحزب الشيوعي لاحقاً) من اجتماعين انعقدا في حديقة المقرن بالخرطوم: انعقد الأول في أكتوبر 1945 والثاني في أغسطس 1946. وهذا المقال عن تقاطع الحركتين من حيث اشتراكهما في بعض الكادر السياسي في سياق الجذرية الوطنية التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فخرجت بفضلها قوى اجتماعية شعبية للساحة السياسية غطت على الاتحاديين (الأشقاء ومن لف لفهم) والاستقلاليين (حزب الأمة) ممن داروا طويلاً في حلقة التفاوض مع دولتي الحكم الثنائي.
وأسفرت هذه القوى عن دمدمة سياسية جماهيرية تمثلت في إضراب مزارعي الجزيرة في 1946 وإضراب عمال السكة الحديد في 1947. وجذّرت الحركة الوطنية).
مقدمة
ميز عبد الله الفكي البشير بين مرحلتين في سيرة المرحوم محمود محمد طه السياسية. فسمى المرحلة الأولى بمرحلة “ملء الفراغ السياسي” بينما سمى الثانية ب”مرحلة ملء فراغ الفكر” . بدأت الأولى منذ تأسيسه الحزب الجمهوري في ١٩٤٥ حتى دخوله السجن في سبتمبر ١٩٤٦، وخروجه منه في سبتمبر ١٩٤٨، واعتكافه في خلوة على عادة الصوفية إلى جلوته منها في أكتوبر ١٩٥١. وهي الجلوة التي بدأ بها مرحلة “ملء فراغ الفكر” وعودته إلى الخرطوم ليعلن الميلاد الثاني للحزب الجمهوري كفكرة دينية تستهدي بما اتفق له في خلوته التي “الرسالة الثانية للإسلام” عمادها.
قلت الكتابات عن فترة ملء الفراغ السياسي قلة تكاد تلاشيها من سيرة الحزب في حين أربت الكتابة عن فترة ملء فراغ الفكر عدداً. وأريد في هذا الورقة تجديد النظر في هذه الفترة على ضوء مسألتين. فالمسألة الأولى سانحة أرشيفية هي توافر مخطوطة كتاب “مذكرات أمين صديق”، وأمين (١٩٢٣-٢٠١٤) هو السكرتير الثاني للحزب الجمهوري، التي أوفت تلك الفترة توثيقاً ما بعده. أما المسألة الثانية فمطلب تاريخي هو الإحاطة بالمنعطف الجذري للوطنية السودانية في منتصف أربعينات القرن الماضي الذي كشف عن قصور قيادة الحركة الوطنية من مؤتمر للخريجين (١٩٣٨) والأحزاب التي خرجت من رحمه عن التناغم مع ذلك المنعطف. ونشأ بالنتيجة فراغ قيادي كان الحزب الجمهورى أول من خرج بعزيمة ورؤية لملئه في ١٩٤٥.
ولحقت به في السبيل الحلقة الماركسية الأولى، الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) (١٩٤٦) لملء نفس الفراغ. ومطلب الورقة الوقوف عند دراما نقاط تقاطع الحزبين في الرأي والأداء السياسيين وتبادل كادرهما المواقع .
عند مقرن النيلين
تكون الحزب الجمهوري في اجتماع انعقد بحديقة المقرن بالخرطوم تحت الشجرة التي تظلل المسطبة عند المدخل الشرقي. واجتمع لغرض تأسيس الحزب في ذلك اليوم محمود محمد طه، إبراهيم المغربي، محمود الأزهري، أحمد محمد خير، إسماعيل محمد بخيت، عبد القادر المرضي، وحسن طه.
وأعقبت هذه الجلسة جلسات أخرى بجهات مختلفة نوقش فيها دستور الحزب مراراً والذي تم إقراره نهائياً بواسطة اللجنة التحضيرية في ٢٨ أكتوبر ١٩٤٥ . وتغيب من ذلك الاجتماع إبراهيم المغربي وأحمد محمد خير.
وفي جلسة ٣١ أكتوبر طلب الاجتماع منهما التوقيع إقراراً بالدستور. كما أجاز الاجتماع المذكرة التفسيرية للدستور، ونشر الدستور نفسه على الملأ. فوافق الجميع عدا الطالبان إسماعيل محمد بخيت وإبراهيم المغربي وطلبا إرجاء النشر. فلم يعمل برأيهما لموافقة الأغلبية على النشر.
وفي هذه الجلسة أيضاً أجريت الانتخابات لتكوين المكتب فكانت نتيجتها كما يلي :
محمود محمد طه رئيساً
إبراهيم المغربي نائب رئيس
عبد القادر المعبد الله علي إبراهيم يكتب: بخت الرضا: إسلامها الذي فات على قريفث
رضي سكرتيراً
أمين مصطفى التني نائباً للسكرتير
احمد محمد خير أميناً للصندوق
ومربط الفرس هنا أحمد محمد خير الطالب بمدرسة وادي سيدنا الثانوية بأم درمان. فكان أول ظهور له في المدونات، بعد ما عرفنا من علاقته بالحزب الجمهوري، هو فصله من مدرسة وادي سيدنا لاشتراكه في مظاهرة طلابها من ريف أم درمان للمدينة كما سيرد. وجاء ذكره بعد ذلك ضمن عضوية اللجنة التنفيذية للحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) نواة الحزب الشيوعي السوداني ، التي تكونت في ١٩٤٦ كما سيرد. وجاء ذكره كطرف في الصراع الذي انتابها في ١٩٤٧ فصُرع مؤسسها الدكتور عبد الوهاب زين العابدين، ليحل معه عوض عبد الرازق، معلم، في قيادة الحركة.
وتدرج أحمد محمد خير في دائرة قيادة الحزب الشيوعي متفرغاً لشغله لكثير من الوقت. وكان في قيادة الحزب في المديرية الشمالية التي شملت مدينة عطبرة مركز الوطنية والنقابية العمالية. ثم خرج منه في نحو ١٩٦٣ منحازاً دون الحزب إلى الخط الشيوعي الصيني في صراع الاتحاد السوفيتي والصين. بل سافر إلى الصين وأقام بها وانقطعت أخباره. وقال أرباب العربي، القائد النقابي الشيوعي بالسكة الحديد، إنهم كانوا يسمونه في عطبرة، التي جاءها متفرغاً للحزب كما تقدم، “أستاذ حماس” من فرط حماسه لعمل الحزب .
وكان في مايبدو قوي التأثير على طلابه في المدارس الوسطى. فكتب لي ابن واحد من طلابه عن إطناب والده الشيوعي في ذكره. فقال من ذلك إنه جاءهم أسود فارعاً جثل الشعر في صباح ليل وفاة ستالين في ١٩٥٣ وقال لهم إن له اليوم خبراً حزيناً فقد مات ستالين. وطلب منهم أن يرددوا معه:
ستالن لم يمت
ستالن لم يمت
لكن تحول من قصر الكرملين
لكي يعيش في قلوبنا قلوب الكادحين..
تناول الدكتور محمد نوري الأمين خروج الدكتور عبد الوهاب زين العابدين (ت ١٩٨٥ ) من زعامة الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) في رسالة جامعية للدكتوراه نشر أطرافاً منها مسلسلة في مجلة دراسات الشرق الأوسط (بالإنجليزية). وخصص الجزء الثاني من السلسلة لقيادة عبد الوهاب للحركة. عرض فيه لحسابات النجاح والإخفاق في سجل الرجل. وليس من نجاح يضاهي إنشاءه للحركة نفسها جمع فيها إليه نخبة صالحة من الخريجين والطلبة مثل خضر عمر، وحسن ابو جبل، وميرغني على مصطفى، ومصطفي السيد طالب كلية الطب العجيب.
بل نوه نوري بنجاح الحركة في احتلال ثلاثة مواقع في انتخابات مؤتمر الخريجين في نوفمبر 1945. وصار عبد الوهاب عضواً في اللجنة الستينية للمؤتمر بأصوات 1082 من جملة 3338 صوت ليأتي الثامن والعشرين في اللجنة. وتأخر عنه رفيقاه قليلاً في أصواتهما. وفي انتخاب اللجنة التنفيذية جاء عبد الوهاب الثاني في الاحتياط. ولكن سرعان ما خلت خانة له في سبتمبر 1944 فملأها. وتم انتخابه في نفس الشهر سكرتيراً للجنة التنفيذية التي ترأسها الزعيم الأزهري. واستقال من موقعه بعد أقل من شهرين من توليه. وذكر نوري أن خطاب استقالته ورد على الصفحة 424 من وقائع اجتماع اللجنة التنفيذية الخام التي نشرها المعتصم أحمد الحاج تباعاً لاحقاً . وبرجوعي لكتاب المعتصم وجدت أن عبد الوهاب ظل عضواً نشطاً باللجنة الستينية حتى صار سكرتيراً للجنة التنفيذية موقعاً على محضرها في ٢٠ إبريل ١٩٤٦. ووالى السكرتارية بتوقيعه بالاسم على المحضر حتى جلسة ١٣ أبريل ١٩٤٧. ثم صار يأتي توقيع السكرتير بدون اسم حتى نهاية السجل في 19 أكتوبر 1947. ولكنه كان ما يزال في المؤتمر، وربما في منصبه ذاته، واختاروه عضواً بلجنة إعداد خطاب الاجتماع العام مع مبارك زروق ومحمود الفضلي وعلي حامد في نفس الجلسة .
وجاء كل من عبد الخالق محجوب (١٩٨٧) ومحمد نورى الأمين (١٩٩٦) ببواعث ذلك الخلاف. فالمتفق عليه أن محمد محمد خير كان ضمن “الترك الشباب” الماركسيين في حستو من أرادوا الخروج للساحة السياسية من تحت رايتهم الماركسية المستقلة. وهذا خلاف قيادة عبد الوهاب التي كانت تعمل بالتقية في إطار الحركة الاتحادية بينما تُرَعْرع تنظيمها الماركسي تربوياً بسرية ليوم منتظر. وكان إغراء الأتراك الشباب لطلب الفتح الجماهيري أن طبقتهم التي خرجوا لنصرتها، العمال والمزارعون، قد اقتحموا مستقلين الميدان السياسي. فأضرب مزارعي الجزيرة، ٢٥ ألفاً منهم، عن الزراعة في ملابسات ترد . كم بدأ نازع للتنظيم النقابي بين عمال السكة الحديد في مدينة عطبرة .
واتخذت الجذرية بين صغار الأتراك هؤلاء مظهرين. فطلبوا من عبد الوهاب وجماعته أن يخرجوا من سريتهم ليوزعوا منشورات الحركة للشعب والكتابة على الجدران كسائر الأعضاء. ومن جهة أخرى تصدروا المظاهرات التي خرجت في ذيول بروتكول صدقي- بيفن في أكتوبر ١٩٤٦. وهو اتفاق بين إسماعيل باشا صدقي، رئيس وزراء مصر، وإرنست بيفن، وزير الخارجية البريطاني، أراد إرضاء مصر ودعاة الوحدة معها من السودانيين، والإدارة البريطانية في السودان، والاستقلاليين في حزب الأمة خاصة.
وكما قال محمد عمر بشير لم يسعد البروتكول أياً من هذه الأطراف . بل ساق إلى صدام بين الوحدويين والاستقلاليين. وكان كادر حستو في طليعة تظاهرات الاتحاديين ومنها ليلة أطلقوا عليه “ليلة ستالينقراد ” في أول نوفمبر ١٩٤٦. وكانوا هاجموا دور صحف الاستقلاليين فرد عليهم الأنصار الاستقلاليون بالهجوم على قلعتهم وهي دار الخريجين بأم درمان. فاستماتوا وصدوا الهجوم. ومن هنا منشأ الاسم استعادوا فيه بسالة مدينة ستالينقراد الروسية بوجه الجيش الألماني النازي . فالمجاز هنا نفسه موح بمصادر جذريتهم ومثالهم النضالي.
ومما أغرى الأتراك الشباب في طريق الوطنية الجذرية لاعتزال القيادات البرجوازية والطائفية خروج الطبقة العاملة بنفسها في هذا الطريق بقوة. فنشأت الفكرة النقابية في نادي خريجي المدارس الصناعية بعطبرة، مركز السكة الحديد، في ١٩٣٧. وصدّق الإنجليز لقيام تلك الدار بشروط استعمارية قاسية. ففرضوا أن يكون مدير مدرسة الصنائع رئيساً لها لا ينعقد اجتماع بغير حضوره، ويؤجل بغيابه، وأن يُصدق على اسم كل عضو جديد بالنادي، ويجيز المحاضرات قبل القائها. وظل أعضاء النادي بين هذا وذاك من نشاطاتهم يتحسسون مواضع أقدامهم، ويشكون لبعضهم البعض الظلم الذي يلحق بهم ولا يجدون لعلاجه سبيلا”. وازدحمت رؤوسهم بالأسئلة: إلى أي مستقبل مساقون؟ فنشأت الأجنحة بين أعضائه قاد أحدها بشرى عدلان والد صلاح بشرى، الشهيد الأيقونة الشيوعي بيد الأمن المصري في ١٩٤٨. وأخذوا في الأنشطة الثقافية ومنها إنتاج مسرحية “عنتر وعبلة” التي لم يسمح الإنجليز بتمثيلها في دارهم. فرحلوا بها إلى أم درمان مقر مؤتمر الخريجين العام. ومثلوها هناك. وجعلوا دخلها لمعهد القرش الذي هو من مشروعات المؤتمر لإيواء الطفولة الشريدة.
ودخل العمال شيئاً فشيئا في الاحتجاج المطلبي ضد عسف الإنجليز. فتظاهر عمال ورشة النجارين وعمرة القطارات ضد الغلاء. والتقوا بمدير الورش الذي قبل منهم احتجاجهم وقَبِل بتعيين مندوبين منهم ليكونوا في لجنة التموين بمركز المدينة. واحتجت ورشة النجارين في ١٩٤٠ على إجراء إداري ما.
واستمر الحال حتى ١٩٤٦ الذي انعقدت فيه حلقة في النادي من زملاء مداومين له خلصت إلى اقتراح تكوين لجنة كحلقة اتصال بمدير الورش ترعى مصالح العمال. وتواثق الحضور على الفكرة. وجعلوا بشرى عدلان رئيساً لها. وكانت هذه بذرة هيئة شؤون العمال السابقة لنقابة عمال السكة الحديد التي تكونت في ١٩٤٧ بعد صراع شديد لانتزاع الاعتراف لعمال المصلحة بكيان نقابي. وهي النقابة التي جعلت من عطبرة عاصمة للوطنية السودانية في سنوات ما بعد ١٩٤٧ .
وفي الحلقة الأخرى نعرض للاجتماع الآخر بالمقرن الذي خرج الحزب الشيوعي من رحمه.
