من بورتسودان إلى الخرطوم..إعلان عودة نشاط سلطة الطيران المدني إلى طبيعته.. كيف؟ ومتى؟ ومن؟

من بورتسودان إلى الخرطوم..إعلان عودة نشاط سلطة الطيران المدني إلى طبيعته.. كيف؟ ومتى؟ ومن؟
إبراهيم عدلان
لم تعد قضية عودة سلطة الطيران المدني من بورتسودان إلى الخرطوم مجرد انتقال جغرافي أو نقل مكاتب وموظفين وملفات، بل أصبحت قضية عودة مؤسسة الدولة إلى ممارسة دورها الطبيعي، وإنهاء مرحلة العمل الاستثنائي التي فرضتها الحرب.
وبعد أن بدأت الحياة تعود إلى الخرطوم، وعادت الحركة الجوية تدريجياً، فإن السؤال الذي يجب أن يوضع بوضوح أمام قيادة سلطة الطيران المدني هو:
متى نعلن نهاية المرحلة الانتقالية وعودة نشاط سلطة الطيران المدني إلى طبيعته؟
والسؤال لا يتعلق بالرغبة في العودة فقط، بل يتطلب إجابات عملية:
كيف نعود؟ ومتى نعود؟ ومن يقود عملية العودة؟ وهل هيأت السلطة نفسها لهذه الخطوة؟
هل حددت السلطة تاريخاً لنهاية مرحلة بورتسودان؟
مرحلة العمل من بورتسودان كانت ضرورة فرضتها ظروف الحرب، وكانت وسيلة للحفاظ على استمرارية مؤسسات الطيران المدني في ظروف بالغة التعقيد.
لكن الضرورة يجب ألا تتحول إلى وضع دائم.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل حددت السلطة تاريخاً واضحاً لنهاية المرحلة الانتقالية؟
وهل يوجد جدول زمني يعرف من خلاله العاملون متى تبدأ العودة الفعلية إلى الخرطوم؟
إن المرحلة الانتقالية التي لا تحدد لها بداية واضحة ونهاية معلومة قد تطول حتى تتحول إلى واقع دائم، رغم أن الظروف التي أوجدتها ربما تكون قد تغيرت.
ولذلك فإن إنهاء حالة الانتقال يجب أن يصبح هدفاً مؤسسياً له خطة وتاريخ ومسؤوليات واضحة.
مسؤولية الشؤون الإدارية: إعادة تأهيل مقرات السلطة
تقع على عاتق إدارة الشؤون الإدارية مسؤولية محورية وأساسية في هذه المرحلة.
فالعودة لا يمكن أن تتم بقرار شفهي أو بإعلان مفاجئ، وإنما تحتاج إلى إعداد مادي وإداري دقيق.
ومن واجب الشؤون الإدارية إعداد خطة مدروسة ومتكاملة لإعادة تأهيل وتجهيز مقرات سلطة الطيران المدني في الخرطوم، وفق الأولويات والاحتياجات الفعلية لكل إدارة.
ويجب أن تشمل الخطة، على وجه الخصوص:
أولاً: مبنى رئاسة السلطة بشارع النيل
وهو المقر الرئيسي للقيادة والإدارة، ويجب أن يكون في مقدمة أولويات إعادة التأهيل والتجهيز لاستقبال الإدارة العليا والإدارات المركزية.
ثانياً: مبنى دائرة النقل الجوي
بما يضمن عودة الأعمال المرتبطة بالنقل الجوي وتنظيم العمليات والتراخيص والمهام ذات الصلة بصورة منتظمة.
ثالثاً: مبنى دائرة السلامة
وهو من أكثر المواقع أهمية، لأن استعادة الدور الرقابي للسلطة تتطلب بيئة عمل مكتملة لمفتشي السلامة والخبراء والكوادر الفنية.
فمرحلة عودة الطيران وزيادة الحركة الجوية تحتاج إلى رقابة أقوى، لا رقابة أقل.
رابعاً: مركز الملاحة الجوية
ويمثل أحد أهم المرافق الاستراتيجية لمنظومة الطيران المدني، ويحتاج إلى تقييم شامل لحالة المباني والتجهيزات والاتصالات والأنظمة والخدمات الفنية.
ويجب أن تكون إعادة تأهيل هذه المواقع جزءاً من خطة واحدة متكاملة، لا مجموعة أعمال متفرقة.
⸻
ماذا يجب أن تتضمن خطة إعادة التأهيل؟
لا يكفي القول إن المبنى صالح أو غير صالح.
بل يجب أن تبدأ الشؤون الإدارية بتقييم فني واضح يشمل:
- سلامة المباني والمنشآت.
- الكهرباء والطاقة الاحتياطية.
- المياه والخدمات الأساسية.
- الاتصالات والإنترنت.
- شبكات الحاسوب والأنظمة التقنية.
- الأثاث والتجهيزات المكتبية.
- أنظمة السلامة ومكافحة الحريق.
- أمن المقرات.
- احتياجات كل دائرة وإدارة على حدة.
- تقدير التكلفة والتمويل المطلوب.
- تحديد جدول زمني للتنفيذ.
وبعد ذلك يجب أن يتم ترتيب الأولويات:
ما الذي يمكن تأهيله فوراً؟
ما الذي يحتاج إلى تأهيل متوسط المدى؟
وما الذي يحتاج إلى إعادة إعمار أو معالجة أكبر؟
⸻
لجنة عليا لإنهاء حالة الانتقال
لكن مسؤولية إعادة تأهيل المقرات وحدها لا تكفي.
فموضوع العودة من بورتسودان إلى الخرطوم أكبر من أن يُترك لإدارة واحدة، مهما كانت أهميتها.
ولهذا يصبح من الضروري تشكيل:
لجنة عليا لعودة سلطة الطيران المدني وإنهاء المرحلة الانتقالية
تكون مهمتها النظر في جميع جوانب العودة التدريجية، ووضع خارطة طريق واضحة لإنهاء حالة الانتقال.
ويُفضل أن تضم اللجنة ممثلين عن:
- الإدارة العليا للسلطة.
- الشؤون الإدارية.
- الشؤون المالية.
- السلامة الجوية.
- النقل الجوي.
- الملاحة الجوية.
- أمن الطيران.
- الموارد البشرية.
- الإدارات القانونية والفنية ذات الصلة.
وتكون لهذه اللجنة مهام محددة، أهمها:
١. وضع خطة العودة التدريجية
تحديد الإدارات التي تعود أولاً، والإدارات التي تحتاج إلى وقت إضافي.
٢. وضع جدول زمني
يجب أن تكون العودة مرتبطة بتواريخ ومراحل واضحة، حتى لا تتحول إلى مشروع مفتوح بلا نهاية.
٣. متابعة إعادة تأهيل المقرات
بالتنسيق مع إدارة الشؤون الإدارية، والتأكد من جاهزية مواقع العمل قبل نقل الإدارات إليها.
٤. ضمان استمرار العمل
فالعودة يجب ألا تؤدي إلى تعطيل الخدمات أو فقدان استمرارية الأعمال.
٥. إعداد تقرير دوري
تقدم اللجنة تقريراً دورياً للإدارة العليا يوضح:
- ما تم إنجازه.
- ما لم يتم.
- العقبات.
- الاحتياجات.
- والقرارات المطلوبة.
⸻
العودة التدريجية هي الحل الواقعي
لا أحد يتوقع أن تنتقل جميع الإدارات في يوم واحد.
كما أن العودة الكاملة لا ينبغي أن تنتظر اكتمال كل شيء.
والحل الواقعي هو:
العودة التدريجية وفق الأولويات
يمكن أن تبدأ المرحلة الأولى بعودة المقر الرئيسي والإدارة العليا وبعض الإدارات الأساسية، بالتزامن مع استمرار الشؤون الإدارية في تجهيز بقية المواقع.
ثم تتبعها عودة دوائر النقل الجوي والسلامة والملاحة الجوية وغيرها وفق درجة الجاهزية.
وبذلك نحقق معادلة مهمة:
لا توقف للعمل، ولا انتقال عشوائي، ولا انتظار مفتوح.
⸻
من بورتسودان إلى الخرطوم.. تكامل لا إلغاء
ويجب التأكيد على أن إنهاء المرحلة الانتقالية لا يعني التقليل من الدور الذي لعبته بورتسودان.
فمن بورتسودان استمرت المؤسسة في العمل عندما كانت الظروف في غاية الصعوبة، وستظل المدينة ذات أهمية استراتيجية للطيران السوداني.
لكن لكل مرحلة مقتضياتها.
واليوم، إذا كانت الظروف تسمح بعودة تدريجية إلى الخرطوم، فمن الطبيعي أن تبدأ مؤسسات الدولة في استعادة مقارها وممارسة نشاطها من مركزها الرئيسي.
⸻
المطلوب الآن: قرار وخطة ولجنة
إن مستقبل سلطة الطيران المدني في المرحلة القادمة لا ينبغي أن يُترك للاجتهادات الفردية.
المطلوب ثلاثة أمور واضحة:
أولاً: قرار
قرار مؤسسي بإطلاق عملية العودة وإنهاء المرحلة الانتقالية.
ثانياً: خطة
تضعها إدارة الشؤون الإدارية لإعادة تأهيل وتجهيز:
- مبنى رئاسة السلطة بشارع النيل.
- مبنى دائرة النقل الجوي.
- مبنى دائرة السلامة.
- مركز الملاحة الجوية.
ثالثاً: لجنة عليا
تتولى الإشراف على العودة التدريجية، وتنسيق الجهود، ووضع الجدول الزمني، ومتابعة التنفيذ، وصولاً إلى:
إعلان رسمي بإنهاء حالة الانتقال وعودة نشاط سلطة الطيران المدني إلى طبيعته.
كلمة أخيرة
لقد كانت بورتسودان محطة الصمود والاستمرار.
لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى التفكير في المستقبل.
فعودة سلطة الطيران المدني إلى الخرطوم يجب ألا تكون مجرد رحلة انتقال من مدينة إلى مدينة، بل مشروعاً مؤسسياً لإعادة البناء.
ولهذا فإن البداية الصحيحة هي:
خطة مدروسة لإعادة تأهيل المقرات.
لجنة عليا تقود العودة التدريجية.
جدول زمني واضح لإنهاء المرحلة الانتقالية.
ثم يأتي الإعلان الذي ينتظره الجميع:
من بورتسودان إلى الخرطوم..
انتهت مرحلة الضرورة..
وبدأت مرحلة العودة وإعادة البناء.
فالسلطة التي صمدت في زمن الحرب، تستحق أن تعود في زمن التعافي أكثر قوة وتنظيماً وقدرة على صناعة مستقبل الطيران المدني السوداني.







