عزمي عبد الرزاق يكتب: كيف نحمي الصناعة السودانية؟

كيف نحمي الصناعة السودانية؟

عزمي عبد الرازق

تبدأ المشكلة عادة عندما يتحول السوق إلى مساحة بلا ضوابط، وتصبح الحدود مستباحة، نعم مستباحة، بينما تدخل السلع إلى الداخل بلا إجراءات واضحة، ولا جمارك، ولا رقابة كافية، ولا حتى ضمان بأن ما يصل إلى المستهلك يطابق المواصفات التي يفترض أن تحميه، وهنا القضية لا تتعلق فقط بالصابون والأندومي ومواد أخرى رديئة مهربة.

عزمي عبد الرزاق يكتب: لماذا يستهدفون شيخ الزين؟

ثمة سؤال يبدو من الأهمية بمكان، وهو هل نسمح بالاستيراد أم نمنعه؟ وهل من الأفضل أن نفتح أبواب الاستيراد على مصارعها دون ضوابط، ونتجاهل في نفس الوقت شكاوى أصحاب المصانع الوطنية؟
أنا مع حرية التجارة والسماح بالاستيراد، ولكن وفقاً لضوابط فنية صارمة، وشروط تراعي المصلحة الوطنية. مع الأخذ في الاعتبار بأن هنالك من يملك القدرة على إدخال البضائع بأي طريقة، سواء كان ذلك عبر التهريب، أو بالأبواب الخلفية، وأحياناً بالمعابر الرسمية.

هذه هي القضية التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل حول قرارات وزارة الصناعة والتجارة.. لا أعرف بالضبط كيف نطلب من المصنع السوداني أن ينتج، ثم نترك السوق مفتوحاً أمام سلعة أجنبية تدخل خارج الإجراءات، وتنافسه في السعر دون أن تتحمل الأعباء نفسها؟ هذه ليست حرية تجارة، ولا منافسة غير عادلة.

عندما تكشف الجهات المختصة عن سلعة ناقصة الوزن أو غير مطابقة للمواصفات، فإن المتضرر الأول هو المواطن.
المواطن الذي يدفع ماله لا يفترض أن يكون آخر من يعرف ماذا اشترى، وهو معني أكثر بتضامننا، من حقه أن يعرف أن السلعة التي تصل إلى يده مرت عبر منظومة رقابية، وأن وزنها صحيح، وجودتها مطابقة، وأن الدولة تعرف من أدخلها وكيف دخلت.

هناك سؤال آخر يبحث عن إجابة أيضاً، ولا أعرف من سوف سيتبرع بها: أين تذهب أموال الدولة عندما تدخل السلع خارج القنوات الرسمية؟ وهنا تحديداً، فإن الجمارك جزء من موارد الشعب، والضرائب مورد لتمويل الدولة وخدماتها، والرقابة حماية أكثر من كونها تعطيلًا للسوق. فإذا دخلت السلعة بلا جمارك، وبلا إجراءات، وبلا رقابة، ثم بيعت داخل الأسواق، فإن الدولة تخسر مرتين، مرة تخسر مواردها، ومرة أخرى تخسر قدرتها على حماية اقتصادها، وفي النهاية يدفع المواطن المغلوب على أمره، العائد بعد تجربة نزوح وحصار قاسية، الثمن.

السودان يحتاج إلى الاستيراد، بالفعل، وهذه حقيقة بدهية، خصوصاً وأن المليشيا دمرت المصانع، استهدفت البنية التحتية عن قصد، قصفت محطات الكهرباء تحديداً، أفقرت الناس كافة، وتبقى أي محاولة لتشغيل تلك المصانع، وتشجيع رؤوس الأموال للعودة، مسألة وطنية جديرة بالتشجيع والدعم.

هناك سلع لا ينتجها السودان أصلاً، وهناك سلع يحتاجها السوق بكميات أكبر من قدرة الإنتاج المحلي، وهناك احتياجات لا يمكن تجاهلها، ولهذا فإن السياسة الرشيدة ليست في منع كل شيء، كما أنها بالمقابل ليست في فتح الباب لكل شيء. السياسة الرشيدة هي أن تعرف الدولة ماذا تستورد، ومتى تستورد، وبأي كميات، وبأي شروط، ومن أي طريق، وأن تضع حماية الصناعة الوطنية في مكانها الطبيعي ضمن أولويات الاقتصاد، مع إعفاء الماكينات والاسبيرات والمواد الخام من الرسوم والجمارك.

لماذا؟ هذا سؤال جيد، وبحسب وجهة نظري، فإن الصناعة ليست مصنعاً فحسب، الصناعة عامل يعمل، وأسرة تعيش من راتبه، ومورد محلي يبيع للمصنع، وسائق ينقل المواد الخام، وشركة تغليف، وتاجر توزيع، وأسواق بيع مخفض، مع أهمية مراعاة تخفيض الرسوم والضرائب أيضاً وتوفير الطاقة لتشجيع تلك المصانع.. اقتصاد كامل يتحرك حول خط إنتاج واحد. باختصار ما معنى العودة الطوعية إن لم تتوفر فرص عمل كافية للرجال والنساء، وهنا تبدو المصانع وقطاع الأعمال الحرة هى الأكثر جاذبية.

يمكن أن نتفهم اعتراض البعض على أي قرار يحد من حركة السلع. التجارة بطبيعتها تبحث عن الربح، وهذا أمر مشروع، لكن مصلحة الاقتصاد الوطني هى الأهم.

قد نختلف مع وزارة الصناعة والتجارة في بعض التفاصيل، وقد نناقش قائمة السلع وضرورات الاستثناء أو بالأحرى المعالجات، والتوقيت وآليات التنفيذ، وهو حق مشروع. لكن الاختلاف لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن السؤال الأكبر: من يحمي الاقتصاد السوداني عندما تصبح السلع الأجنبية أرخص فقط لأنها لم تدفع ما يدفعه المنتج السوداني؟ ومن يحمي المواطن عندما تصل السلعة إلى السوق بلا رقابة كافية؟ ومن يعوض الدولة عن مواردها عندما تدخل البضائع خارج الإجراءات؟ ومن يحمي المصنع الذي بدأ تشغيله بعد سنوات من الحرب والخراب، ثم وجد نفسه ينافس سلعاً تدخل السوق من أبواب أخرى؟
في بلد يحاول أن يعيد بناء نفسه من تحت الركام، بسبب الحرب والحصار بالطبع، مهم المهم أن ينصرف التفكير إلى المعالجات، مثل كيف نحمي حق السودان في أن ينتج، ويبيع، ويحصّل موارده، ويحمي مستهلكه، ويبني اقتصاداً لا يعيش على الاستيراد وحده، سيما وأن الدولة التي لا تحمي مصنعها اليوم، قد تجد نفسها غداً تبحث عن منتج تستورده بالعملة الصعبة، والدولار في صعود، بعد أن تكون قد فقدت المصنع والعامل والخبرة والسوق معاً.




عزمي عبد الرازق

صحفي وصانع محتوى سوداني،متخصص في التحقيقات والتقارير الاستقصائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.