مهند عوض يكتب: وزارة التجارة.. عندما تصبح الحكومة سبباً في تعطيل الصادر

وزارة التجارة.. عندما تصبح الحكومة سبباً في تعطيل الصادر
مهند عوض محمود
في المقال السابق كتبنا عن القرار غير الموفق والذي قضى بدمج وزارتي الصناعة والتجارة، وقلنا إن الحضور الطاغي للصناعة ترك ملف التجارة دون الوزن الذي يستحقه في دولة تعاني شح النقد الأجنبي وتراجع الصادرات.
وزارة الصناعة تعلن اكتفاء السودان من الدقيق المنتج محلياً
واليوم نذهب أبعد من ذلك. فبعيداً عن الانطباعات وما يظهر في الإعلام، تكشف المكاتبات الرسمية المتعلقة بملفات الصادر عن اختلالات لا تتعلق بهيكل الوزارة فحسب، وإنما بقرارات وإجراءات تمس مباشرة قدرة الصادرات السودانية على المنافسة والوصول إلى الأسواق العالمية.
ولنبدأ بـ”العدسية”..
ففي 9 مارس 2026 خاطبت الغرفة القومية للمصدرين وزيرة الصناعة والتجارة بالخطاب رقم 0013/2026، محتجة على رفع السعر التأشيري للعدسية من 375 دولاراً إلى 1,100 دولار للطن دون التشاور والتنسيق مع الغرفة، ومحذرة من أثر القرار على التعاقدات المبرمة وقدرة المصدرين على الوفاء بالتزاماتهم. وطالبت بمراجعته بصورة عاجلة بما يتوافق مع الأسعار العالمية والواقع الفعلي للسوق.
وهنا لا نتحدث عن خلاف حول رقم، بل عن فلسفة إدارة الصادر. فالسعر التأشيري إذا تجاوز السعر الذي تستطيع السلعة تحقيقه فعلياً في السوق الخارجي، فإنه لا يرفع قيمة الصادرات بقرار إداري، وإنما يخلق فجوة يتحملها المصدر من جيبه حتى يتمكن من تنفيذ عملية الصادر.
ولم تتوقف المسألة عند العدسية. فتقرير أداء الغرفة القومية للمصدرين يوثق ارتفاع السعر التأشيري لـ”حب البطيخ” من 650 إلى 2,000 دولار للطن، بالتزامن مع مطالبة الغرفة بمراجعة هذه الزيادات وربط الأسعار التأشيرية بالأسواق العالمية والواقع التجاري.
وهنا تصبح الصورة أكثر غرابة، لأن حب البطيخ كان يواجه أصلاً مشكلة في السوق الهندية المستورد الأكبر له. ويوثق التقرير تحركات لمعالجة تأخر فتح السوق، وتشكيل لجنة لإعداد مذكرة متكاملة بشأن السلعة، وطرح بروتوكول تجاري يضمن استقرار وانسياب الصادر.
في مثل هذا الوضع، كان المطلوب من وزارة التجارة أن تتحرك بأدوات التجارة والدبلوماسية الاقتصادية للتواصل مع الجهات المختصة في الهند، وتفعيل دور السفارة والجهات التجارية، والتفاوض لإزالة العوائق واستعادة انسياب السلعة. لكن بينما السلعة نفسها تبحث عن طريقها إلى السوق، يرتفع سعرها التأشيري من 650 إلى 2,000 دولار للطن.
السلعة متعثرة في الوصول إلى سوقها، ونحن نرفع سعرها التأشيري إلى أكثر من ثلاثة أضعاف. أي عدم اكتراث هذا؟
هذا أقرب إلى غيبوبة تجارية منه إلى مجرد ضعف في المتابعة؛ لأن واقع السوق يسير في اتجاه، والقرار الإداري يسير في الاتجاه المعاكس.
وفي 18 يونيو 2026 خاطبت شعبة مصدري حب البطيخ والكركدي والبقوليات والعدسية وكيل الوزارة، موضحة أن الأسعار التأشيرية لم تعد تعكس الأسعار السائدة في الأسواق المستوردة، وأن الفجوة بينها وبين أسعار التعاقد الفعلية أضعفت القدرة التنافسية للمصدرين. وطالبت الشعبة بمراجعة عاجلة للأسعار وعقد اجتماع مع الجهات المعنية ودراسة زيارة رسمية إلى الهند، بل أبدت استعدادها لتحمل نفقات الوفد المقترح.
أي أن أهل السوق لم يكتفوا بالاعتراض؛ حددوا المشكلة، وشرحوا آثارها، واقترحوا الحل، وأبدوا استعدادهم للمساهمة في تنفيذه.
ثم جاء أغسطس. ففي 10 أغسطس 2026 خاطبت الغرفة القومية للمصدرين الوزيرة بشأن إعادة تشكيل وتفعيل المجالس السلعية ومراجعة الأسعار التأشيرية، مؤكدة أهمية أن تضم هذه المجالس الجهات الحكومية والمنتجين والمصدرين حتى تُبنى القرارات على واقع الأسواق والتكاليف الحقيقية.
والمجالس السلعية ليست لجاناً تشريفية. فالقرار المنظم لها يجعل من أبرز مهامها إعداد الدراسات والاستراتيجيات لزيادة الصادرات، ومتابعة الأسواق الخارجية، وتوفير قواعد البيانات، والترويج للسلع السودانية، ومتابعة حركة الأسعار العالمية وتقديم المشورة للمصدرين.
والمفارقة أن الوزارة نفسها احتاجت إلى الرجوع إلى الغرفة للحصول على صورة من قرار تكوين هذه المجالس!
نحن من أكثر الداعين إلى التنسيق بين أجهزة الدولة والقطاع الخاص، وكررنا ذلك مراراً، لكن هذه الحالة تطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تصبح الغرفة التجارية مرجعاً للوزارة في قرار من صميم عمل الوزارة نفسها؟ المسألة هنا لم تعد نقص مستند في ملف، بل تفتح سؤالاً مشروعاً حول الذاكرة المؤسسية وحفظ الملفات واستمرارية العمل داخل وزارة يفترض أنها تدير تجارة دولة بأكملها.
ولا تبدو هذه واقعة منفردة؛ فتقرير أداء الغرفة يوثق سلسلة من القضايا والمخاطبات المتعلقة بانسياب الصادرات، ومن بينها ملف توثيق شهادات المنشأ عند تغير المستورد. فقد خاطبت الغرفة وكيل الوزارة رسمياً بتاريخ 5 أكتوبر 2025، ويذكر التقرير أن المقترح ظل دون استجابة حتى إعداد التقرير، رغم استمرار المشكلة وما ترتب عليها من تأخير وتكاليف إضافية على المصدرين.
إذن نحن لا نتحدث عن خطاب تأخر الرد عليه أو قرار أخطأ التقدير، بل نحن أمام نمط في إدارة ملف التجارة الخارجية يستوجب وقفة جادة.
فالغرف التجارية وشُعب المصدرين ليست جهات علاقات عامة تُستدعى بعد صدور القرارات. هؤلاء هم الذين يعرفون أسعار الأسواق، ويملكون العقود، ويتعاملون مع المشترين والمصارف وشركات الشحن والتأمين والموانئ. وإذا كانت الدولة تريد زيادة الصادرات، فمن غير المنطقي أن تحدد سعراً لسلعة دون التشاور الحقيقي مع من يبيعها في السوق العالمية، ثم تطلب منه لاحقاً معالجة آثار القرار.
الوزيرة محاسن علي يعقوب جاءت من وزارة الصناعة، ومن الطبيعي أن يكون اهتمامها وخبرتها ونشاطها الأكبر في ملف الصناعة. واللافت منذ تعيينها أن حضورها الإعلامي والميداني ظل يميل بوضوح إلى ملفات الصناعة؛ من المصانع وإعادة تشغيلها إلى توطين الصناعة والاستثمار الصناعي. ولا نرى في ذلك عيباً؛ بل إن الصناعة بعد هذه الحرب تحتاج إلى هذا الجهد وأكثر.
لكن من يدير التجارة؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه الوقائع السابقة. ففي بلد تجاوز فيه الدولار ستة آلاف جنيه، لا يمكن أن نتحدث عن أزمة النقد الأجنبي بمعزل عن الصادرات، ولا أن نطالب المصدر بجلب الدولار ثم نضع أمامه سعراً تأشيرياً أعلى من سعر السوق، ونؤخر معالجة مشكلاته، ونتخذ قرارات تمس قدرته على المنافسة دون التشاور الكافي مع أهل السوق.
في المقال السابق طالبنا بالفصل الفوري بين وزارتي الصناعة والتجارة، وهنا لا نكرر ما أوردناه من حيثيات في ذلك المقال؛ الوقائع أعلاه تقول ما يكفي..
ونكرر فقط ما تحتاجه تجارة السودان الخارجية من وزير التجارة: نحتاج وزيراً من أهل التجارة مارسها فعلياً؛ صدّر واستورد، وتعامل مع الأسواق والبنوك والموانئ والشحن والتأمين والمشترين، ويعرف من واقع تجربته كيف تُفتح الأسواق وكيف تُفقد، وكيف يمكن لقرار إداري واحد أن يجعل سلعة سودانية غير قادرة على المنافسة.
وزارة التجارة في هذه المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من التنظير، ولا إلى من يتعلم التجارة بعد دخوله الوزارة. تحتاج رجل دولة يفهم التجارة لأنه مارسها.
أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومة اليوم فليس فقط: لماذا تجاوز الدولار ستة آلاف جنيه؟ بل: ماذا فعلنا نحن بالصادرات التي كان يفترض أن تجلب هذا الدولار فترفع قيمة الجنيه ؟






