تشهد جبهات القتال في السودان تصعيداً عسكرياً واسعاً ومستمراً تبرز فيه الغارات الجوية المكثفة، مع تزايد الاعتماد على الطائرات المسيرة من قبل طرفي النزاع (الجيش وقوات الدعم السريع)، فضلاً عن التحشيدات العسكرية المتبادلة، بينما تتركز الأعمال العدائية والاشتباكات البرية حالياً في مناطق محددة أقل تأثراً بظروف موسم الأمطار الذي تشهده البلاد حالياً.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن مسيرات الجيش كثفت أمس الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع قوات “الدعم السريع” المتمركزة في المناطق الواقعة شمال وغربي مدينة بارا بولاية شمال كردفان، وغربي الأبيض عاصمة الولاية نفسها، لتعقب حشود وتحركات الأخيرة وقطع خطوط إمدادها.
إسماعيل محمد علي يكتب.. تصعيد وتوتر في جبهات النيل الأزرق وكردفان والصحراء
إسماعيل محمد علي يكتب.. الجيش السوداني يؤمن الحدود مع ليبيا وتشاد وإثيوبيا بضربات استباقية
وواصل الجيش عمليات التمشيط وتأمين البلدات الحيوية المُستعادة (بارا وجبرة الشيخ وجريج) لمنع أي محاولات تسلل أو هجمات مرتدة لقوات الجماعة. في وقت تراجعت وتيرة الاشتباكات البرية المباشرة مقارنة بالأيام السابقة، واقتصر الموقف على تعزيز خطوط الدفاع حول مدينة الأبيض التي تعرضت خلال الفترة الماضية لضغوط متفرقة بهجمات المسيّرات المعادية.
يتزامن هذا الاستقرار النسبي للحركة العسكرية على الأرض في ولاية شمال كردفان مع تفاقم الأزمات الإنسانية الناتجة عن موجات النزوح السابقة نحو مدينة الأبيض ومحيطها، جراء المعارك التي دارت أخيراً في مناطق أم عردة والقرى المجاورة.
إغلاق أسواق النهود
في الأثناء، أكدت غرفة طوارئ دار حمر أن قوات “الدعم السريع”، أمرت بإغلاق جميع الأسواق العامة في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، فضلاً عن تعطيل شبكات الإنترنت الفضائي “ستار لينك” اعتباراً من اليوم الأربعاء ولأجل غير مسمى.
وأوضحت الغرفة في بيان أن القرار جاء في وقت تشهد النهود أوضاعاً أمنية ومعيشية متدهورة، مشيرة إلى أن تعطيل خدمات الإنترنت الفضائي من شأنه أن يعرقل تواصل السكان والأسر النازحة مع ذويهم، ويؤثر على استقبال التحويلات المالية وتسيير الاحتياجات اليومية، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
واتهم البيان قوات “الدعم السريع” بفرض قيود أمنية مشددة على السكان، إلى جانب قيامها بعمليات نهب ومضايقات متكررة تستهدف المدنيين. وحذر أيضاً من التداعيات الإنسانية والاقتصادية لإغلاق الأسواق وتعطيل وسائل الاتصال، معتبراً أن استمرار الإجراءات قد يزيد من معاناة السكان ويعمق حال العزلة التي تعيشها المنطقة.
وطالب البيان الجهات المحلية والمنظمات الحقوقية والإنسانية الإقليمية والدولية بالتدخل العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين وضمان استمرار وصولهم إلى الأسواق ووسائل الاتصال والخدمات الأساسية.
ووفقاً لناشطين محليين، فإن هذا الإجراء تزامن مع وصول تعزيزات عسكرية للجماعة إلى منطقة النهود، قادمة من إقليم دارفور، بهدف إطلاق عمليات عسكرية من أجل التقدم نحو ولاية شمال كردفان.
مقتل 27 شخصاً
في المحور نفسه، أكدت شبكة أطباء السودان مقتل 27 شخصاً، بينهم أربعة أطفال، وإصابة آخرين من بينهم نساء، جراء هجمات نفذتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على منطقتي القردود وأبو حمامة في ولاية جنوب كردفان.
وذكرت الشبكة أن فريقها الميداني وثّق الحادثة، مشيرة إلى أن الهجمات جاءت في سياق توترات بين الحركة وقبيلة الأطورو في المنطقة.
وأشارت الشبكة إلى أن الهجمات أدت إلى حركة نزوح كبيرة باتجاه منطقة أبو حيطان ومدينة كادوقلي، حيث لجأ السكان إلى مواقع أكثر أمناً بعد تصاعد العنف. منوهة إلى أن الوضع الإنساني يتدهور بسرعة مع استمرار خروج الأسر من القرى المتأثرة.
واعتبرت الشبكة استهداف المدنيين العزل، بمن فيهم النساء والأطفال، على أساس الانتماء الإثني، انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، مؤكدة رفضها لأي أعمال انتقامية تستهدف السكان بسبب خلفياتهم القبلية. فيما شددت على ضرورة حماية المدنيين في مناطق النزاع.
وحذّرت الشبكة من أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع الصراع في جنوب كردفان نحو مواجهات إثنية واسعة، مما يجعل سكان الولاية الضحية الأولى لأي تصعيد جديد. وقالت إن تكرار الانتهاكات قد يفتح الباب أمام أزمة إنسانية أكبر في منطقة تعاني أصلاً هشاشة أمنية وخدماتية.
ترقب ونزوح
في المنحى ذاته، شهد إقليم النيل الأزرق أمس الثلاثاء، توترات مستمرة وحال ترقب ميداني على محوري الكرمك وقيسان المتاخمتين للحدود الإثيوبية، في ظل دفع الجيش بمتحركات وتعزيزات عسكرية ضخمة باتجاه الإقليم، مما يشير إلى وقوع معارك ضارية في غضون الأيام المقبلة.
وطبقاً لمصادر عسكرية، فإن المحورين يشهدان توترات وعمليات مراقبة مكثفة بعد إعلان الجيش في الأيام القليلة الماضية عن تعامل دفاعاته مع مسيرات قادمة من الأراضي الإثيوبية، فضلاً عن تبادل أطراف الصراع السيطرة والنفوذ في المناطق المتاخمة للحدود، وسط تحركات حذرة للجيش لتأمين خطوط التماس ومحاور الإمداد في الإقليم.
يأتي ذلك، في وقت تتواصل المعاناة الإنسانية المتفاقمة نتيجة المعارك السابقة، مع وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين يعانون نقصاً حاداً في الغذاء، ومواد الإيواء، والرعاية الصحية.
وبحسب شهود محليين، فإن الإقليم يشهد حالة نزوح يومي من قبل سكان المدن الطرفية خاصة قيسان والكرمك وود الماحي. مشيرين إلى أن برنامج الغذاء العالمي شرع في توزيع مساعدات إنسانية تستهدف 14 مخيماً في الإقليم.
في حين يواجه السكان المحليون والنازحون ضغوطاً بالغة بسبب تأثر البنى التحتية ومحاور الحركة في الإقليم.
ترتيبات استعادة الفاشر
في محور دارفور، أفاد قائد الفرقة السادسة مشاة، عمر منصور حسن، باكتمال الترتيبات التي أعدها الجيش لاستعادة السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، من قوات “الدعم السريع” التي سيطرت عليها أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
وقال حسن إن بسط الأمن والاستقرار في هذه المدينة وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى ديارهم باتا قريبين، مبيناً أن الفرقة السادسة مشاة ماضية في جهودها حتى تعود الفاشر إلى حضن الوطن، آمنة ومستقرة.
وأشار إلى أن قوات الجيش لن تتوقف عن العمل لتحقيق هدفها المعلن بشأن استرداد مدينة الفاشر، مؤكداً أن عودة السكان إلى مناطقهم تمثل أحد الأهداف الرئيسة للمرحلة المقبلة.وتأتي تصريحات قائد الفرقة السادسة في ظل استمرار التوتر العسكري في إقليم دارفور، إذ تمثل الفاشر واحدة من أبرز المحطات الاستراتيجية في المشهد العسكري والسياسي بالإقليم، وترتبط أوضاعها بصورة مباشرة بملفات النزوح والوضع الإنساني ومستقبل السيطرة على شمال دارفور.
ويترقب سكان الفاشر والمناطق المحيطة بها تطورات المشهد العسكري، في وقت تمثل أي عملية واسعة داخل هذه المدينة تحدياً عسكرياً وإنسانياً كبيراً، بالنظر إلى الكثافة السكانية والأوضاع الإنسانية المتدهورة التي خلفتها الحرب.
وتكتسب معركة الفاشر أهمية خاصة باعتبارها عاصمة شمال دارفور وإحدى أهم مدن الإقليم، مما يجعل أي تغيير في وضعها العسكري بمثابة انعكاسات تتجاوز حدود المدينة إلى المشهد الأوسع في دارفور.
تأهب وتوتر
في سياق متصل، لا يزال التوتر على الحدود بين السودان وتشاد قائماً، في ظل حال التأهب القصوى من قبل الجانبين، وهي مؤشرات توحي باندلاع تصعيد عسكري محدود.
وكان الجيش التشادي أعلن في وقت سابق، أن طائرات مسيرة استهدفت رتلاً من المركبات داخل الأراضي التشادية على مسافة تزيد على 100 كيلومتر من الحدود مع السودان، مما اعتبره انتهاكاً جديداً مرتبطاً بأطراف الصراع السوداني، مؤكداً في بيان أن الطائرات والمسيّرات التي نفذت الهجوم يُعتقد أنها تعود للجيش السوداني أو الجهات المساندة له.
وأضاف البيان أن الجيش التشادي وضع جميع وحداته في حالة تأهب قصوى تحسباً لأي تطورات، مشدداً على احتفاظه بحق الرد للدفاع عن السيادة الوطنية والتصدي لأي تهديد.
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأنجمينا منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. فالسودان يتهم تشاد بتسهيل إدخال الأسلحة والمرتزقة وعلاج الجرحى لمصلحة قوات “الدعم السريع”. بينما ترد أنجمينا بأنها تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين وتتعرض لضغوط أمنية وإنسانية هائلة، وترفض الزج بها في صراع لا يخصها.
واستبعد مراقبون عسكريون استمرار التصعيد العسكري بين البلدين وبخاصة من جانب تشاد التي تعاني من مخاوف أمنية داخلية، وبالتالي فإنها لا ترغب في أي تصعيد مع السودان يؤدي إلى فتح جبهة ثانية.
