رشان اوشي تكتب: عقبة ياس.. حين يشقّ الأمل طريقه بين الصخور..

عقبة ياس.. حين يشقّ الأمل طريقه بين الصخور..

رشان أوشي

كانت الشمس ساطعة، ليس بينها وبيننا حجاب، والحر قائظاً. وبين الجبال التي تفصل محلية “القنب والأوليب” عن الصحراء الممتدة نحو نهر النيل والشمالية، كان رجال يعملون تحت الشمس بلا كلل.

رشان اوشي تكتب: حوار “السوداني – السوداني”.. توافق مؤجل أم صراع أدوات؟

شباب يرتدون أزياء العمل، يشقون الصخور ويفتحون الطريق، وإلى جوارهم شباب آخرون يرتدون الزي البيجاوي. هؤلاء أبناء المنطقة، اختاروا أن يكونوا جزءاً من العمل، متطوعين في واحد من أضخم المشاريع الاستراتيجية التي تربط بين الساحل والموانئ ومناطق الإنتاج.

هنا، في الساحل والصحراء، او في أرض “القنب والأوليب” بلغة البداويت،والمنتجة للذهب، تعيش مجموعات من “البجا” ،الذين يعرفون تضاريسها ومسالكها جيلاً بعد جيل.

قبل سنوات، بدأ الأهالي الضغط على الحكومة المحلية لفتح هذه العقبة الجديدة. اسمها عقبة “ياس”. وتنسب في الرواية الشعبية إلى “جبل الكلب”؛ إذ تحكي الرواية أن كلباً كان يسكن الجبل في زمن بعيد، فبقي الاسم شاهداً على الحكاية.
اليوم، بعد سنوات من الانتظار والعمل، أُنجزت الخطوة الأصعب: فتح العقبة.

وأمس، بدأ فصل جديد بتدشين سفلتة الطريق الذي يربط الولايات الثلاث، بطول (460) كيلومتراً. طريق يختصر المسافة والوقت أمام المسافرين والبضائع المتجهة إلى البحر الأحمر، ويمنح مناطق الإنتاج منفذ أقرب إلى الموانئ.

لكن هذا الطريق لم تصنعه جهة واحدة، ولم يكن ثمرة قرار حكومي فقط.

بدأت الحكاية بأموال المسؤولية المجتمعية لدى شركة “ارياب للتعدين”، ثم انهمر المساهمون الوطنيون، واحداً تلو الآخر، في تحقيق حلم ظل يراود اهل المنطقة، وهو فتح طريق جديد يصلهم ببقية السودان، ويخترق منطقة ظلت محصنة بجبال البحر الأحمر الشاهقة.

دخلت “هيئة الموانئ البحرية” على خط المشروع عبر شركة “الموانئ الهندسية”، التي وفرت الآليات اللازمة للعمل. وساهمت القوات المسلحة وقيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية في توفير المتفجرات التي هشمت الصخور وفتحت في الجبال ممر كان يبدو عصياً على العبور.

وسددت “الشركة السودانية للموارد المعدنية” بولاية البحر الأحمر مبلغ (250) مليار جنيه، إلى جانب مساهمات شركات وطنية أخرى تولت جانباً من أعمال الإنجاز، في مقدمتها شركة “شريان الشمال”، صاحبة الخبرة الطويلة في تنفيذ وتعبيد الطرق القومية.

ولم يكن المجتمع المحلي بعيداً عن المشروع. كانت هناك مساهمة شعبية فاعلة، قاد جانباً منها ناظر عموم قبائل “الأمرار” “علي محمود”، إلى جانب عمد ونظار القبائل التي تقطن “القنب والأوليب”.

وهكذا، لم تكن “عقبة يأس” مشروع حكومي تشيده الدولة ، وإنما شارك فيه المجتمع والدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية، كل بما يستطيع.
واللافت أن المواطنين لم ينتظروا الإسفلت. بمجرد فتح الطريق، بدأوا في سلوكه قبل اكتمال سفلتته، وكأنهم كانوا ينتظرون فقط أن تُفتح لهم النافذة التي ظلوا يطرقون عليها سنوات.
وفي تقديري..يجب إلا يكون الطريق نهاية المشروع.إنما بدايته. فحين تصل الجرافات إلى آخر صخرة، يجب أن تبدأ التنمية، واهمها المياه؛ لأن الطريق وحده لا يصنع استقرار في أرض عطشى.

ثم مخططات عمرانية تستوعب التمدد الطبيعي للسكان، ومجتمعات جديدة تنشأ على جانبي الطريق.بجانب الأسواق، والطرق الداخلية، ومراكز الخدمات.
والمدارس أيضاً؛ إذ لا معنى لأن يتحرك السكان نحو مواقع جديدة بينما تبقى مدارسهم القديمة بعيدة عن تجمعاتهم الجديدة. المطلوب أن تتحرك المدرسة مع الإنسان، فالمبدأ الأساسي :” الخدمات حيث تبدأ الحياة” .

في عقبة “ياس”، رأيت شيئاً يتجاوز الصخور والآليات.
بفضل مساهمات متعددة، فُتح الطريق. والآن يبدأ العمل الأصعب والأجمل؛ أن نسكن الطريق بالحياة، وأن يتحول حلم أهل البجا من مجرد طريق إلى تنمية تستحق كل هذا العناء.
محبتي واحترامي




رشان اوشي‎

صحيفة سودانية تكتب في السياسة والتحقيقات الاستقصائية، عملت بعدد من الصحف السودانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.