مصطفى سليمان يكتب: قبل أن نحاكم صراع اليوم : ماذا فعلت لجنة إزالة التمكين بالطيران المدني ؟

قبل أن نحاكم صراع اليوم : ماذا فعلت لجنة إزالة التمكين بالطيران المدني ؟

مصطفى سليمان

قرأت مقالا بتاريخ 26 اغسطس الجاري للكابتن طيار عادل المفتي نشر على منصة ” طيران بلدنا ” ، بعنوان : «صراع الديوك… عندما تصبح الأنانية مشروعًا لهدم الأوطان» باهتمام. وفي المقال كثير من العبارات التي يصعب الاختلاف معها من حيث المبدأ. فالوطن أكبر من الأشخاص والسياسيين وأكبر من أي سلطة أو جماعة. كما أن تصفية الحسابات السياسية والاستقواء بالخارج ممارسات مرفوضة عندما تكون نتيجتها إضعاف الدولة وإلحاق الضرر بالمواطن.

مصطفى سليمان يكتب: التناوب الوظيفي في مطارات السودان وسياسة «العصا والجزرة»

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المبادئ إلى خطاب يُطبَّق على الآخرين بينما لا يُنظر إليها بالمعيار ذاته عند تقييم الممارسات السابقة للكاتب نفسه.

وهنا يبرز سؤال مشروع ومباشر:
ماذا عن تجربة لجنة إزالة التمكين التي كان الكاتب يترأسها خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير؟
وهل كانت جميع قراراتها في قطاع الطيران المدني قائمة على معايير مهنية واضحة وشفافة أم أن الانتماء السياسي أو الاشتباه أو تصفية الحسابات لعبت دورًا في إبعاد عدد من الكفاءات والكوادر؟

هذا السؤال لا يستهدف شخصًا بعينه بقدر ما يستهدف مبدأ طالما أكّد عليه الكاتب في مقاله : العدالة وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى وسيلة لهدم مؤسسات الدولة.

إن قطاع الطيران المدني ليس ساحة سياسية. فهو قطاع فني ومهني شديد الحساسية، يقوم على التراكم المؤسسي والخبرة والتخصص والالتزام بالمعايير الدولية. وأي إفراغ للمؤسسات من كوادرها المهنية دون معايير موضوعية معلنة ودون ضمانات عادلة للمراجعة والتظلم يمكن أن يترك آثارًا تتجاوز الأشخاص لتصل إلى سلامة وكفاءة واستمرارية منظومة الطيران نفسها.

إذا كان الكاتب يرى اليوم أن العقوبات والصراعات السياسية لا يدفع ثمنها السياسيون وإنما المواطن والمؤسسات فإن السؤال ذاته ينطبق على قرارات الإقصاء داخل مؤسسات الدولة التي مورست في السابق :
من دفع ثمن إبعاد الكفاءات؟
ومن دفع ثمن تفريغ المؤسسات من خبراتها؟
وهل تمتلك تلك القرارات اليوم ما يكفي من الأدلة والمعايير المهنية التي تبررها؟

ليس المطلوب الدفاع عن أي شخص بسبب انتمائه السابق أو الحالي. وليس المطلوب كذلك تبرئة أي نظام أو جماعة سياسية. المطلوب فقط أن يكون المعيار واحدًا.

إذا كانت تصفية الحسابات السياسية مرفوضة اليوم فهي مرفوضة بالأمس أيضًا.

وإذا كان الاستقواء بالخارج وإضعاف مؤسسات الدولة جريمة بحق الوطن فهي كذلك عندما يمارسها أي طرف.

وإذا كان الكاتب يطالب الشباب بقراءة التاريخ والوثائق وعدم تصديق الروايات السياسية الجاهزة فإن من حق هؤلاء الشباب أيضًا أن يقرأوا وثائق المرحلة الانتقالية وأن يسألوا عن قرارات لجنة إزالة التمكين ومعاييرها ونتائجها وآثارها على مؤسسات الدولة وفي مقدمتها قطاع الطيران المدني.

المفارقة العجيبة أن المقال يحذر من «صراع الديوك» ومن الذين يجعلون إسقاط الخصم أهم من بقاء الوطن. لكن التجربة السودانية أثبتت أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتقل الخصومة السياسية إلى داخل مؤسسات الدولة فتتحول الوظيفة العامة من مساحة للكفاءة والخدمة إلى ساحة للعقاب والمكافأة السياسية.

نحن لا نحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي تحت عناوين جديدة.

نحتاج إلى مراجعة شجاعة لكل المراحل وكل القرارات وكل الأطراف .

فالوطنية ليست موقفًا نرفعه عندما نكون خارج السلطة ثم نتخلى عنه عندما نمتلك أدواتها.

الوطنية معيار واحد …
والعدالة لا تتجزأ …

وإذا كان عنوان المقال هو «صراع الديوك» فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا هو: هل المشكلة فعلًا في صراع الديوك فقط أم في أصحاب الديوك الذين يتغير موقفهم من الصراع بحسب موقعهم منه؟

السودان يحتاج إلى مصالحة مع الحقيقة قبل أن يحتاج إلى مصالحة مع السياسيين.

والمؤسسات تحتاج إلى الكفاءة والعدالة والمساءلة قبل أن تحتاج إلى تغيير الوجوه.

أما تصفية الحسابات السياسية تحت أي لافتة فهي في النهاية الوجه الآخر للمشكلة التي نحاول جميعًا الخروج منها …




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.