كاتب سوداني : أين إقليم كردفان من هذا الحوار؟

يمر السودان بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث، بعد أن ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الدولة والمجتمع، وأحدثت آثاراً إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة، طالت مختلف أقاليم البلاد و مكوناتها.

و في هذا السياق، تأتي الدعوة إلى الحوار السوداني ـ السوداني باعتبارها فرصة وطنية مهمة يمكن أن تسهم في فتح الطريق أمام معالجة جذور الأزمة، واستعادة الاستقرار، وبناء توافق وطني واسع حول مستقبل الدولة السودانية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مشاركة إقليم كردفان في هذا الحوار لا ينبغي أن يُفهم باعتباره اعتراضاً على مسار الحوار، أو مطالبة بامتياز جهوي، وإنما باعتباره دعوة إلى توسيع قاعدة المشاركة الوطنية بما يعكس الواقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي للسودان، ويضمن سماع أصوات المجتمعات التي تحملت أعباء كبيرة خلال سنوات النزاع.

كردفان… إقليم حاضر في تاريخ السودان

يمثل إقليم كردفان بمناطقه ومجتمعاته المتنوعة مكوناً أصيلاً في الدولة السودانية، وله موقع جغرافي واستراتيجي مهم، كما يتمتع بثقل اجتماعي واقتصادي وتاريخي لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن مستقبل السودان.

وقد ظل أبناء كردفان، بمختلف مكوناتهم، جزءاً فاعلاً من الحياة الوطنية السودانية، كما تحمل الإقليم خلال سنوات الحرب والنزاعات أعباء إنسانية وأمنية واقتصادية كبيرة.

واليوم، يعيش عدد كبير من أبناء كردفان أوضاعاً بالغة الصعوبة نتيجة النزوح والتشرد وفقدان مصادر الدخل وتعطل الخدمات، فيما اضطرت أسر كثيرة إلى مغادرة مناطقها بحثاً عن الأمن والاستقرار.

و من هنا فإن صوت كردفان في الحوار القادم يجب أن يكون صوتاً حاضراً وفاعلاً، يعبر عن تطلعات أهل الإقليم وقضاياهم، وفي الوقت ذاته يضع مصلحة السودان الواحد فوق كل اعتبار.

اتفاق جوبا… تجربة وطنية تستحق القراءة الهادئة

لا يمكن تناول مسألة المشاركة الإقليمية في الحوار القادم دون الوقوف عند تجربة اتفاق جوبا للسلام، باعتبارها واحدة من أهم التجارب السياسية التي شهدها السودان خلال المرحلة الانتقالية.

وقد جاء الاتفاق في ظروف استثنائية، واشتمل على عدد من المسارات لمعالجة قضايا السلام والمشاركة السياسية والحكم والتنمية، بما في ذلك مسار دارفور ومسار المنطقتين، إلى جانب مسارات أخرى.

كما تناول الاتفاق قضايا مرتبطة بجنوب كردفان والنيل الأزرق، وتضمن ترتيبات ذات صلة بغرب كردفان وشمال كردفان ضمن الأطر المختلفة للاتفاق.

وعليه، فإن القراءة الموضوعية لا تقتضي القول إن كردفان كانت غائبة تماماً عن اتفاق جوبا، وإنما تقتضي طرح سؤال أكثر دقة وأهمية:

هل كانت مشاركة كردفان، بكل مكوناتها ومناطقها ومجتمعاتها، متناسبة مع حجم الإقليم ودوره وتضحياته واحتياجاته؟

وهذا سؤال يمكن أن يكون جزءاً مشروعاً من الحوار الوطني القادم، بعيداً عن لغة الاتهام أو تحميل المسؤوليات، وبهدف الاستفادة من التجربة السابقة وتطويرها.

من المشاركة الرمزية إلى الشراكة الفاعلة

إن أحد الدروس المهمة التي يمكن استخلاصها من التجارب السابقة هو أن تحقيق السلام المستدام لا يعتمد على توقيع الاتفاقات وحده، وإنما يحتاج إلى مشاركة مجتمعية وسياسية واسعة، وإلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، وإلى شعور حقيقي لدى المواطنين بأنهم شركاء في صناعة مستقبل بلادهم.

ومن هنا، فإن مشاركة كردفان في الحوار ينبغي ألا تكون مجرد حضور شكلي، بل مشاركة تستند إلى رؤية واضحة حول:

  • قضايا السلام والاستقرار في الإقليم.
  • إعادة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.
  • إعادة بناء الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
  • إعادة الإعمار والتنمية.
  • معالجة آثار الحرب.
  • تعزيز المشاركة السياسية وفق معايير المواطنة والكفاءة والعدالة.
  • ضمان تمثيل المجتمعات المحلية في القضايا التي تمس مستقبلها.

ولا يعني ذلك بالضرورة تبني نظام محاصصة جهوية، وإنما يعني ضمان عدالة المشاركة الوطنية والاستماع إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين.

من يمثل كردفان؟

وهنا تبرز قضية بالغة الأهمية.

إذا كان الحوار السوداني ـ السوداني يستهدف الوصول إلى توافق وطني شامل، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم ممثلاً لكردفان سيشارك؟

بل ينبغي أن يكون:

من هم ممثلو كردفان؟ وهل يعكسون تنوع الإقليم ومجتمعاته واحتياجاته؟

فكردفان ليست كتلة سياسية واحدة، وليست صوتاً واحداً.

إنها مجتمع واسع ومتنوع، يضم شمال كردفان وغرب كردفان وجنوب كردفان/جبال النوبة، ويضم إدارات أهلية، وشباباً، ونساءً، ومهنيين، وأكاديميين، ومثقفين، ومنظمات مجتمع مدني، ونازحين، وأسر شهداء، وقطاعات اقتصادية وإنتاجية، وقوى سياسية ومجتمعية مختلفة.

ولذلك فإن التمثيل الأكثر فاعلية هو الذي يعكس التنوع داخل الإقليم، ويتيح المجال لأصوات المجتمع إلى جانب الأصوات السياسية.

الشباب والمرأة والنازحون… شركاء في صناعة المستقبل

من المهم أن يتجاوز الحوار الوطني النموذج التقليدي الذي يجعل العملية السياسية محصورة في الأحزاب والحركات المسلحة والشخصيات السياسية.

فالشباب السوداني، الذين يشكلون قطاعاً واسعاً من المجتمع، يجب أن يكونوا جزءاً أصيلاً من صناعة المستقبل.

والمرأة التي تحملت أعباء كبيرة خلال الحرب تستحق حضوراً مؤثراً.

والنازح الذي فقد منزله ومصدر رزقه ليس مجرد مستفيد من اتفاق سلام؛ بل هو صاحب مصلحة مباشرة في صياغة شروط العودة وإعادة الإعمار والمصالحة.

وكذلك الإدارات الأهلية، والمجتمع المدني، والأكاديميون، والمهنيون، والمثقفون، وأسر الشهداء والجرحى، وسائر المكونات الاجتماعية.

إن توسيع المشاركة بهذه الصورة لا يضعف الحوار، بل يزيد من شرعيته المجتمعية وقدرته على إنتاج حلول قابلة للاستمرار.

تضحيات أبناء السودان يجب أن تكون حاضرة في صناعة السلام

إن أي حديث عن السلام في السودان يجب أن يستند إلى حقيقة أساسية، وهي أن الحرب خلفت تضحيات إنسانية هائلة.

وقد قدم أبناء القوات المسلحة والقوات النظامية والمستنفرون والمواطنون تضحيات كبيرة خلال ما عُرف شعبياً بـ معركة الكرامة، كما دفع المدنيون في مختلف أنحاء البلاد ثمناً باهظاً نتيجة النزاع.

وفي كردفان أيضاً، قدم أبناء الإقليم تضحيات كبيرة، وعانت أسر ومجتمعات كاملة من آثار الحرب والنزوح.

والاعتراف بهذه التضحيات لا ينبغي أن يكون مدخلاً لتعميق الانقسام، وإنما يجب أن يكون جزءاً من المصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة الوطنية واحترام الضحايا.

فالسلام المستدام لا يعني محو الماضي، وإنما يعني التعلم منه، ومعالجة أسبابه، ومنع تكرار المأساة.

السلام والعدالة… مساران متكاملان

ومن الضروري أن يقوم أي حوار وطني على مبادئ واضحة، من بينها سيادة القانون، وحماية المدنيين، واحترام حقوق الإنسان، والعدالة، والمصالحة، وعدم الإفلات من المسؤولية عن الجرائم التي يثبت ارتكابها وفق القانون.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هناك مساحة حقيقية للمصالحة الوطنية وجبر الضرر وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

فالمطلوب ليس سلاماً مؤقتاً يعيد إنتاج الأزمة، وإنما سلام مستدام يعالج جذور النزاع ويؤسس لدولة القانون والمواطنة المتساوية.

ماذا تريد كردفان من الحوار؟

إن الرسالة التي يمكن أن تحملها كردفان إلى الحوار السوداني ـ السوداني ليست رسالة مطالبة خاصة أو مشروعاً جهوياً منفصلاً عن السودان.

بل يمكن اختصارها في مبادئ واضحة:

نريد سلاماً شاملاً.

نريد دولة يسود فيها القانون.

نريد مشاركة عادلة تقوم على المواطنة والكفاءة.

نريد إعادة النازحين إلى ديارهم بصورة آمنة وكريمة.

نريد إعادة إعمار ما دمرته الحرب.

نريد تنمية متوازنة تتيح لأقاليم السودان فرصاً عادلة.

ونريد أن يكون لأبناء كردفان صوت مؤثر في القرارات التي تتعلق بمستقبلهم ومستقبل وطنهم.

رسالة إلى لجنة الحوار السوداني ـ السوداني

إن لجنة الحوار السوداني ـ السوداني أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج مختلف للحوار الوطني.

نموذج لا يكتفي بجمع القوى السياسية، وإنما يفتح المجال أمام المجتمع السوداني بمختلف مكوناته.

ومن هذا المنطلق، فإن تمثيل إقليم كردفان في الحوار ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من استحقاق المشاركة الوطنية الشاملة، وليس مجرد استحقاق جهوي.

كما أن مشاركة كردفان ينبغي أن تشمل مختلف مكوناتها، وأن تعكس واقع الإقليم وتنوعه، وأن تتيح لأبنائه تقديم رؤاهم بشأن السلام والأمن والتنمية وإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية.

السودان أولاً

إن المرحلة المقبلة تتطلب تجاوز الحسابات الضيقة، والانتقال من منطق الصراع على السلطة إلى منطق الشراكة في بناء الدولة.

فالسودان لا يمكن أن يستقر إذا شعر أي إقليم أو مجتمع بأنه خارج دائرة المشاركة.

ولا يمكن أن ينجح السلام إذا لم يشعر النازح بأنه سيعود إلى وطنه بكرامة، والشاب بأن له مستقبلاً، والمرأة بأن صوتها مسموع، والمجتمع المحلي بأن حقوقه مصونة.

ومن هنا، فإن السؤال:

«أين إقليم كردفان من هذا الحوار؟»

ليس سؤالاً موجهاً ضد أحد، ولا دعوة إلى إقصاء أحد.

إنه نداء للمشاركة، ورسالة من إقليم عانى كثيراً ويريد أن يكون شريكاً في صناعة السلام كما كان شريكاً في صناعة تاريخ السودان.

كردفان لا تطلب أن تكون فوق السودان، وإنما تطلب أن تكون جزءاً كاملاً من السودان.

ولا تطلب امتيازاً على حساب الآخرين، وإنما تطلب عدالة في المشاركة، وعدالة في التنمية، وعدالة في الفرص، وعدالة في الاستماع إلى صوت أهلها.

مبادرة الحوار السوداني تدعو إلى إيقاف البلاغات المقيدة ضد المقيمين بالخارج
إن الحوار الذي يجمع كل السودانيين، ويحترم تضحياتهم، ويستمع إلى أقاليمهم ومجتمعاتهم، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح السياسية والجهوية، يمكن أن يشكل بداية حقيقية لمرحلة جديدة.

مرحلة يكون فيها السلام مشروعاً وطنياً شاملاً، لا تسوية سياسية مؤقتة؛ وتكون فيها الدولة بيتاً لكل السودانيين، وكردفان ـ بتاريخها وشعبها وتضحياتها ـ حاضرة في صناعة هذا المستقبل.

فالسودان الذي نريده ليس سودان الغالب والمغلوب، ولا سودان المركز والهامش، وإنما سودان المواطنة والعدالة والشراكة الوطنية.

السودان أولاً… وكردفان شريك أصيل في بنائه.

بقلم: الطيب مطر جمعة
كاتب وباحث في الشأن السوداني و قضايا إقليم كردفان




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.