عبد الله علي إبراهيم يكتب: رهاب الحركة الشعبية من مركز الدولة: ذاكرة من سياسة النوبة (1931) (2-2)

رهاب الحركة الشعبية من مركز الدولة: ذاكرة من سياسة النوبة (1931) (2-2)

عبد الله علي إبراهيم

منعاً لتأثير الإسلام على النوبة قرر الإنجليز إلغاء محاكم الشريعة في الدلنج ورشاد وجعلوا الإدارة الأهلية تختص النظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين منهم بالشريعة كما اتفقت للأعراف. وكان للقسم الشرعي من القضائية وقفة متينة ضد القرار بوصف الشريعة تقليد قانوني فوق فقه مركزي.

عبد الله علي إبراهيم يكتب: رهاب الحركة الشعبية من مركز الدولة: ذاكرة من سياسة النوبة (1931) (1-2)

ملخص
(ففي لقاء من على البعد قال عبدالعزيز الحلو لشباب لجنة مقاومة حي العباسية بمدينة أم درمان إن مطلبهم كان العلمانية لكنهم تنازلوا وسيقبلون بدستور يقوم على فصل الدين عن الدولة. ولا أعرف إن كان “الفلول” ممن يفرقون بين الأمرين من حيث المبدأ، أو إن كانت العلمانية نفسها عنت غير فصل الدين عن الدولة).

من مظاهر رهاب الحركة الشعبية من الدولة، العائد إلى “سياسة النوبة” الإنجليزية، مطلبها بالعلمانية “قبض أيد” بمعزل عن أي قوى في الأملة ناضلت من أجلها وبرغمها.
وبلغ من استعصام الحركة الشعبية بعلمانية الدولة وإلا فلا لا استعدادها لـ”يفتح الله يستر الله” بنبل إذا كان لا بد. ففي لقاء من على البعد قال عبدالعزيز الحلو لشباب لجنة مقاومة حي العباسية بمدينة أم درمان إن مطلبهم كان العلمانية لكنهم تنازلوا وسيقبلون بدستور يقوم على فصل الدين عن الدولة. ولا أعرف إن كان “الفلول” ممن يفرقون بين الأمرين من حيث المبدأ، أو إن كانت العلمانية نفسها عنت غير فصل الدين عن الدولة.
وانتظر الناس أن تحسن الحركة الشعبية إلى ثورة ديسمبر 2019 وتدخل في فضاء الديمقراطية والسلام الذي تكبدت الأمرين في فتح مغاليقه.
ولكنها لم تفعل. فلم ير أبكر فيها ثورة ولا حكومة منتجة عن ثورة. فهي عنده حكومة الخرطوم مثلما كانت الإنقاذ حكومة للخرطوم. وقال: “نحن نفاوض حكومة الخرطوم الناس البنحاربهم. مشكلتي (هي) مع الحكومة التي نتقاتل معها. انتو الحكومة التي نحاربها”. وهذا عمى ألوان سياسي من الدرجة الأولى. فالحكومة في رأي أبكر منتج خرطومي كانت تحت الإنقاذ أو تحت رفاق سلاح كان العهد وثيقاً بينهما انعقد بين مقاومة مدنية للإنقاذ ومقاومة عسكرية. فإذا قالت له الحكومة الانتقالية وهي في السكرات من كيد العسكريين لنرجي مناقشة طبيعة الدولة وعلمانيتها للمؤتمر الدستوري قال ستين أبدين. فحكومة الخرطوم، في قوله، متى أرادت الشريعة جاء بها جنرال بليل ومتى طالب أمثاله بإلغائها تذرعت بشورى الشعب في مؤتمر دستوري. وهذا لن ينطلي عليه. ولا اعتبار عند أبكر أن بوسع الديكتاتور، بل من جبلته، أن يأمر بليل، بل أن يأتي للحكم بليل، في حين أن الديمقراطية “سلبة” كما نقول في السودان وهو الحبل.

وعليه لم تر الحركة الشعبية في الثورة المنعطف الذي علقته عليها جماهير سودانية غفيرة. فاحتفظت بمسافة لئيمة منها لترهقها توقيعاً على مذكرات تفاهم أرادت دوائر سياسية من الثورة منها كسبها لصف التغيير الذي وقع بالثورة. ولكنها لم تغادر استعصامها بدولتها في كاودا للتعاطي إيجابياً مع الفضاء الذي توافر بفضل الثورة لإعادة تأسيس الدولة السودانية. وتوجت تلك المساعي الاسترضائية زيارة غير مسبوقة لرئيس الوزراء الانتقالي الدكتور عبدالله حمدوك لدولة كاودا في يناير (كانون الثاني) 2020 بدعوة من عبدالعزيز الحلو زعيم الجبهة الشعبية لتحرير السودان ورئيس حكومتها. وما أجدت.

وكانت إعادة تأسيس السودان الأصل في تلك المذكرات. فدارت كلها حول ضمانات لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة لا تكفل مجرد فصل الدين عن الدولة، بل حماية مثل هذا الأساس بمادة فوق دستورية تستعلي على التعديل لكائن من كان بمثل ما يحدث لبقية مواد الدستور. فوقعت الحركة الشعبية ست مرات مع رموز من الثورة وطوائف مختلفة من دوائرها شملت أول ما شملت الحزب الشيوعي في يوليو (تموز) 2020. وأعقب ذلك إعلانها مع عبدالله حمدوك، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية حتى استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، في سبتمبر (أيلول) 2020، لتوقع بعد ذلك إعلاناً مع عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، في مارس (آذار) 2021، ثم مع الاتحادي الديمقراطي في أبريل (نيسان) 2021، ثم مع حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي (للمرة الثانية) واحداً بعد الآخر في يناير وفبراير (شباط) 2023. وأخيراً قوى الحرية والتغيير، الكتلة الديمقراطية (فبراير 2023)، وهي الجماعة الضرار لقوى الحرية والتغيير التي كانت الدولة الانتقالية بيدها. وأرهقتهم توقيعاً عقيماً.

يبدو من إلحاف الحركة الشعبية على إقرار العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة أقله، أنه إقرار مستحيل. بدا منه ما نقول عنه في السودان “دا زول مستغني” أي لا سبيل إليه. فكانت علمانية الدولة من فضول القول يومها وهي ترهق دوائر الثورة توقيعاً على مطلبها بفصل الدين عن الدولة. فلا أعرف وثيقة جاءت بهذا الفصل بين الدين والدولة مثل الوثيقة التي تراضى عندها مؤتمر جوبا لسلام السودان (أكتوبر (تشرين الأول) 2020) وقد دعيت له الحركة الشعبية ضمن الحركات المسلحة الأخرى وامتنعت عن الحضور. فلا يعرف المرء نصاً ورد في أي وثيقة صلح وطني قضى بفصل الدين عن الدولة أصرح مما ورد في اتفاق جوبا. فكفى هذا الميثاق وأوفى حد الإملال. ولا حاجة لمزيد عليه في المسألة إلا إذا أراد كل مسلح أن يؤتى فصل الدين عن الدولة بيمينه هو لا يمين غيره. وهذه مماطلة تسوق إلى التفرج بالمطلب لا بالعض عليه بالنواجز.

وبلغ ما يمكن وصفه الهوس العلماني بالحركة الشعبية ذؤابته في “اتفاق المبادئ” الذي تعاقدت فيه مع الحكومة الانتقالية (في الخامس من يونيو (حزيران) 2021). فإذا أحصيت كلمات نص الاتفاق وجدتها نحو 550 خصصت منها 152 كلمة لعلاقة الدين والدولة بصورة أو أخرى، أو نحو 30 في المائة. وهذا إسراف بخاصة لو لم يأت المزيد من تلك الكلمات بإضافة للمسألة. فدارت فقرات الاتفاق حول المواطنة، والتعدد ومنع التمييز، ولا فرض دين. وفصل الدين عن الدولة بعد تأكيد احترام الأديان قاطبة في ديباجة الاتفاق. فالعقل الذي وراء النص مهجس بالدين حتى لا يكاد يعرف نقطة خاتمة للتشبع من فصله عن الدولة. وكان بالوسع ضغط نص العلاقة بين الدين والدولة إلى 30 كلمة مفيدة ومباشرة لولا “شفقة” العقل الذي أملى الاتفاق ألا يكون قد فرط في العلمانية من شيء.

ومما أعان الحركة الشعبية على الاعتصام بكهفها من دون جبل الدولة انتماؤها إلى ظاهرة الجيل الثاني من الحركات المسلحة. وخالف هذا الجيل، الجيل الأول الذي كان يرغب في احتلال سدة الحكم لبناء نظام اتفق له. فحركات هذا الجيل التالي عازفة عن تحرير الوطن من مركزه. وتكتفي بتحرير ما يليها من فوق اقتصاده من معادن بالذات. وربما كان هذا هو السبب من وراء تمنع الحركة الشعبية، الحلو وجيش تحرير السودان، عبدالواحد على التفاوض للسلام قبل قبول شروطهما الباكرة في العلمانية أو تقرير المصير. وهذا إلى التمحل أقرب منه إلى التفاوض.

ومن جانب آخر فالحركة الشعبية غبينة لأنها لم تحصل من حلفها الوثيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (جون قرنق) ما حصل عليه الجنوب من اتفاقية السلام الشامل (2005). فلم تحصل صفوة النوبة في الحركة على حق تقرير المصير على قدم المساواة مع الجنوب. وتخلص منهم قرنق في التفاوض حين تيقن أن حكومة السودان لن تساومه في انتماء جبال النوبة للشمال ويجري عليها ما يجري عليه. فاحتال على جبال النوبة بحق سماه “المشورة الشعبية” أسعفته به هيلدا جونسون، وزيرة التنمية الدولية النرويجية، التي كانت ضمن وسطاء التفاوض ما بين حكومة السودان والحركة الشعبية. وفسدت المشورة الشعبية. واندلعت الحرب من جديد في 2011 ما بين حكومة السودان و”الجنوب الجديد”، اي جبال النوبة والنيل الأزرق. وبقي من خذلان الحركة الأم لفرعها بين النوبة ما فاقم من زهادتهم في المركز.

ومع ذلك يبدو أن تفكيك دولة الاستعمار، 56، طريق لاتجاهين. ولما أشبعنا مركز هذه الدولة نقداً مسلحاً وغير مسلح بدا أنه نقد لن يكتمل إلا إذا أخضعنا الهامش لنقد يطول ميلاده في سياسات استعمارية لم تألوا جهداً في تنفيره من المركز. وبلغ من ذلك أن قال باقان أموم، سكرتير الحركة الشعبية (جون قرنق) قبل استقلال الجنوب إن الإنجليز أحسنوا إليهم بإجراءات سياسة الجنوب التي حمتهم من غائلة الشمال. ورأينا أبكر يقول إن حكومة الخرطوم خصمهم ولو طالت ديمقراطيتها ما لم تتنزل لا عند العلمانية فحسب، بل أن تنحتها في صخرة دستور البلاد بمواد فوق دستورية.
لا خفاء أن الحركة الشعبية تعاني من رهاب من الأمة التي قال المؤرخ الفرنسي أرنست رينان إنها إرادة العيش معاً. وأصل هذا الرهاب في سياسة النوبة الإنجليزية التي أعدت صفوتهم كما رأينا. وهو رهاب لم تر معه غضاضة في الحلف مع قوات الدعم السريع إذا حالت بينها وبين المركز.

Exit mobile version