عادل المفتي يكتب: قل أعوذ برب الناس… حين تتحول الوسوسة إلى حرب ويصبح الوطن هو الثمن

قل أعوذ برب الناس… حين تتحول الوسوسة إلى حرب ويصبح الوطن هو الثمن
عادل المفتي
في غرفتي الهادئة الأنيقة بمدينة الرياض ومن داخل الفندق الأسري الجميل ( بوقين فيلا ) شارع عبدالله الطيب ، الذي يملكه ويديره بإقتدار الأمدرماني الابن سناده عبدالحميد احمد الحاج .
استيقظتُ قبل الفجر، توضأت وصليت، ثم جلست متحصنا أتلو سورة الناس. كلمات قليلة، لكنها تهز أعماق الإنسان:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
عادل المفتي يكتب: صراع الديوك… عندما تصبح الأنانية مشروعًا لهدم الأوطان
رددتُ السورةَ عدةَ مرات، ثم أخذتُ أتفكّر في ظلام الليل، والغرفةُ يخيّم عليها السكونُ والصمتُ والظلام. نظرتُ بعيدًا، فلم أرَ شيئًا سوى السواد. ثم صمتُّ… وكان الصمتُ سيدَ المكان.
وبينما كنتُ أردد هذه السورة التي لا يتجاوز عدد كلماتها عشرين كلمة، دخلتُ في حالةٍ روحانية، غصتُ خلالها في أعماق النفس، لأتأمل السورة وكلماتها من الداخل، وأستخلص منها العِبَر.
وسورةُ الناس تحديدًا تُركّز على الشرّ الذي يتسلّل إلى النفس عن طريق الوسوسة؛ وسوسةِ الجن، ووسوسةِ شياطين الإنس، كما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
فقلتُ وأنا أعيش هذا التناقض العجيب: ظلامٌ يملأ المكان، وضياءٌ رباني يملأ الروح.
أكيد. سورة الناس هي آخر سورة في القرآن، وهي من المعوِّذات، ونزلت لتعليم النبي ﷺ والمسلمين الاستعاذة بالله من الشرور الخفية، وخصوصًا وسوسة الشيطان
وقلت في نفسي: يا الله، كم نحن بحاجة إلى أن نفهم هذه السورة لا أن نرددها فقط.
فالآية لا تتحدث عن شر ظاهر فحسب، وإنما تلفت أنظارنا إلى شر يبدأ خفيًا… في الصدور.
فكرة تُزرع، ثم تُزيّن، ثم تتحول إلى قناعة، ثم إلى قرار، ثم إلى فعل، وقد يتحول الفعل إلى دماء وخراب وطن بأكمله.
وهنا تذكرت بلدي السودان وأهلي الحنان وتداخلت معي ذكريات ما قبل الثورة وظلم الناس ، والإنقاذ ونهاياتها ، وأثناء الثورة وأعداءها وبعد الثورة وعوراتها ، والإطاري وشياطينه ، و الحرب وبداياتها، والسودان وقدره .
ثم تذكرتُ …
كان هناك قاطعَ طريقٍ من أسرة تسمي أل دقلو، كما ذكر هو بنفسه لمذيعة شبكة «سي إن إن»، نعمة الباقر .. قائلًا لها: إنه مع من يدفع أكثر. وُلد عند الجيران، كما يُقال، ونشأ وترعرع عندنا كما نعلم ، ثم قاد مليشيا سُمّيت بالجنجويد، عاث في دارفور فسادا وقتلا ونهبا ، قبل أن يمنح رتبة عميد خلا دون تدريب ، ثم تكليفه بحراسة الحدود ومكافحة الهجرة الغير الشرعية، التي جلبت له الشرعية والمال الأوروبي .
كان كالطفل المدلّل؛ كلما أراد شيئًا طلبه ناله، وكلما رغب في أمرٍ ، حصل عليه بالترهيب أو الترغيب. وكان يسمي بالأمير وسط مليشياته ، حتى بلغ مرحلةً متقدمة من المال والنفوذ والسلطة، وأمضي سنوات يعيش حياة رغدة فيها الأمانٍ والرفاهية ، كان يستطيع معها أن يعيش بقية حياته أميرا من أمراء غفلة الزمان كما خطط له أن يكون .
كان يتنقّل بالطائرات الخاصة، ويُستقبل في عواصم العالم، ويلتقي الرؤساء، وتُفتح له أبواب القصور. ثم جلس في القصر الجمهوري ، متحكمًا في مفاتيح الدولة والاقتصاد، ورئيسًا للمجلس الأعلى للطوارئ الاقتصادية.
وبذلك أصبح الأمير المزعوم نائبُ رئيس مجلس السيادة مسيطرًا على أهم ملفين في الدولة: الملف الاقتصادي، وملف السلام مع الحركات المسلحة؛ إذ ترأس وفد الحكومة الانتقالية في المفاوضات التي رعتها دولة جنوب السودان. نعم الحكومة الإنتقالية التي تنازلت له عن كل شيء حتي الإقتصاد ، هذا، إضافةً إلى سيطرته الأمنية الواسعة للعاصمة السودانية من العمق والأطراف وحراسته للمناطق الاستراتيجية ووضع اليد، و من خلال قيادته لقواته.
كان يستطيع أن يستمتع بما جمعه من المال والنفوذ، وأن يترك التاريخ يحكم عليه كما يشاء.
لكن شيئًا تغيّر.
تحول الطموح إلى طمع ، والقوة إلى مشروع للهيمنة، والسلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة، وانتهى الأمر بحرب دفع السودانيون ثمنها من دمائهم وبيوتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
وهنا تكمن عظمة سورة الناس.
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.
فالوسوسة لا تأتي دائمًا بصورة مخيفة؛ قد تأتي في صورة نصيحة، أو غرور، أو طموح، أو طمع ، أو شعور زائف بالقوة.
قد تقول للإنسان: أنت أقوى من الجميع.
وقد تقول له: لن يستطيع أحد أن يهزمك.
وقد تقول له: خذ السلطة قبل أن يأخذها غيرك.
وقد تزين له الدماء حتى تصبح في عينيه مجرد أرقام.
لكن المشكلة أن الوسوسة لا تسلب الإنسان إرادته؛ هي تزيّن، والإنسان يختار.
ولهذا لا يجوز أن نهرب من مسؤوليتنا ونقول إن الشيطان فعل.
فالذي يقتل مسؤول، والذي يأمر بالقتل مسؤول، والذي يمول الجريمة مسؤول، والذي يبرر الظلم مسؤول، والذي يسكت عن الظلم وهو قادر على مقاومته يتحمل نصيبه من المسؤولية.
السودان دفع الثمن
الحرب لم تدمر المباني فقط.
لقد دمرت الثقة بين الناس، وأجبرت الأسر على النزوح، وحرمت الأطفال من مدارسهم، وأفقدت الآباء أبناءهم، والأمهات أبناءهن، ووضعت ملايين السودانيين أمام سؤال يومي: هل سنبقى أحياء حتى الغد؟
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل تعلمنا؟
هل فهمنا أن السلطة لا تستحق أن يموت من أجلها وطن؟
هل فهمنا أن المال لا يحمي صاحبه من النهاية؟
هل فهمنا أن السلاح الذي يرفع في وجه الوطن قد ينقلب يومًا على صاحبه؟
وهل فهمنا أن أكبر خطر على السودان ليس فقط السلاح في أيدي المقاتلين، وإنما الوسوسة في صدور الناس؟
وسوسة حب السلطة
وسوسة تفاصيل الإطاري
وسوسة الكراهية.
وسوسة العنصرية والجهوية .
وسوسة الانتقام.
وسوسة تخوين الآخر.
وسوسة أن من يختلف معي هو عدوي.
قل أعوذ برب الناس… لا برب القوة
سورة الناس تعلمنا أن الملجأ الأول هو الله:
﴿رَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾.
فالملك الحقيقي ليس لمن يملك السلاح، ولا لمن يملك الذهب، ولا لمن يملك المال، ولا لمن يجلس على الكرسي.
الملك لله.
وكل قوة بشرية مهما بلغت ، لها نهاية.
قد يفتح لك العالم أبوابه اليوم، ثم تغلق في وجهك غدًا.
قد تسير في مواكب الرؤساء والملوك اليوم، ثم تبحث غدًا عن مكان آمن تختبئ فيه.
قد تمتلك المال والسلاح والرجال، ثم تكتشف أن شيئًا واحدًا لا تستطيع شراءه: الخلود.
السودان يحتاج إلى تحصين حقيقي
تحصين السودان لا يكون بالمعوذات وحدها، مع عظيم فضلها، وإنما يكون أيضًا بالعدل الذي يمنع الظلم، وبالقانون الذي يمنع الفوضى، وبالدولة التي تحتكر السلاح، وبالضمير الذي يحرم الدماء، وبالإنسان الذي يخاف الله قبل أن يخاف العقوبة.
نحتاج إلى سودان لا يكون فيه الكرسي أغلى من الإنسان.
ولا تكون فيه القبيلة أعلى من الوطن.
ولا يكون فيه السلاح طريقًا إلى السلطة.
ولا يكون فيه المال وسيلة لشراء الولاءات.
ولا يكون فيه اختلاف الرأي سببًا للقتل.
مددت الغطاء الدافي فوق جسدي بعد التحصين والتفكر في سورة قل اعوذ برب الناس فدعوت الله قبل ان اعود للنومة الثانية :
اللهم احفظ السودان من شر الوسواس الخناس، من الجنة والناس. اللهم طهر صدورنا من الحقد، واحفظ دماءنا من القتل، واجمع أهل السودان على الحق والعدل، وأخرج بلادنا من هذه الفتنة أقوى إيمانًا، وأشد وعيًا، وأكثر رحمة.
ثم أغمضت عيني وقلت في نفسي ربما أعظم درس تعلمناه من هذه الحرب أن الإنسان مهما امتلك من المال والسلطان والسلاح، يبقى ضعيفًا أمام قدر الله.
قل أعوذ برب الناس…
فإذا صلحت الصدور، صلحت الأيدي.
وإذا خاف الناس رب الناس، أمن الناس من شر الناس.
وإذا عاد العدل إلى السودان، عاد السودان إلى أهله
لكن في النهاية، وبالبلدي كده، نقولها في سطرين للذكرى والعِبرة:
دوام الحال من المحال ،،
والطمع وِدَرّ ما جَمَع ،،
قال تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
صدق الله العظيم

