د. حامد التجاني يكتب.. الفاشر وأسئلة المآل.. حين تصبح الثقافة والتراث والإبداع تحت الحصار

تقف مدينة الفاشر اليوم في قلب واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيدا في تاريخ السودان المعاصر. فقد أدى الصراع المسلح إلى تدمير أجزاء واسعة من المدينة، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من سكانها، لتتحول من مركز تاريخي وثقافي وتجاري في إقليم دارفور إلى ساحة مواجهة مفتوحة تحمل آثار الحرب بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن بين ضحايا هذه المأساة كان والدي، التجاني علي، رحمه الله، الذي بقي في المدينة حتى وفاته، شأنه شأن كثير من أبنائها الذين آثروا البقاء رغم ظروف الحصار والمخاطر. إن ذكره هنا لا يأتي بوصفه تجربة شخصية فحسب، بل باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية لمدينة دفعت ثمنا باهظا للحرب.

الصحة السودانية تكشف خطتها العاجلة لإيواء نازحي الفاشر

الجيش السوداني يعلن اكتمال ترتيبات استعادة الفاشر

الفاشر، أو “فاشر السلطان” كما عرفت تاريخيا، ليست بالنسبة إلي مجرد مكان للنشأة، وإنما فضاء تشكلت فيه منظومة من القيم والعلاقات الاجتماعية التي أسهمت في تكوين وعيي المبكر. فقد شهدت فيها مراحل تعليمي الأولى، وعشت تفاصيل الحياة اليومية في مدينة اتسمت بتنوعها الاجتماعي، وحيوية أسواقها، وترابط أحيائها.

وكانت العلاقات بين السكان تقوم على الثقة المتبادلة والتكافل والمسؤولية الاجتماعية، بحيث لم يكن الجوار مجرد تقارب مكاني، بل إطارا اجتماعيا وأخلاقيا ينظم الحياة اليومية، ويعزز الانتماء للمجتمع.

ورغم سنوات الاغتراب الطويلة، ظلت الروابط التي نسجتها تلك المرحلة حاضرة في حياتي، إذ حافظت على علاقات وثيقة مع كثير من الأصدقاء والجيران الذين جمعتنا بهم سنوات الدراسة والنشأة. ولم تكن تلك العلاقات مجرد امتداد لذكريات الماضي، بل تعبيرا عن قوة رأس المال الاجتماعي الذي ميز الفاشر عبر تاريخها، وأسهم في ترسيخ قيم التعايش والتضامن بين مكوناتها المختلفة.

وهذه السطور المؤلمة التي أنقلها لكم عن مدينة الفاشر حاضرة إقليم دارفور هي جزء من دراسة لي موسعة نشرتها في مجلة “ترانزيشن” “Transition” التابعة لمركز “هاتشينز” “Hutchins” في جامعة هارفارد الأمريكية.
إعلان

ومن هذا المنطلق، فإن تناول الفاشر في هذا المقال لا ينطلق من الحنين إلى المكان فحسب، بل يستند إلى قناعة بأن فهم حاضر المدينة ومستقبلها يقتضي فهم تاريخها الاجتماعي، ومؤسساتها المحلية، والعوامل التي أسهمت في بناء تماسكها، ثم في تعريضه للاهتزاز بفعل الحرب.

لقد كتب تاريخ السودان من خلال عدسة استعمارية؛ ركزت بصورة غير متناسبة على وادي النيل، ولم تبد اهتماما كافيا بدراسة نشأة الأقاليم السودانية الأخرى وتطورها وحقوقها التاريخية، وأسهمت هذه السردية التاريخية المشوهة في تهميش إسهام دارفور في الحضارة القديمة

قراءة مقاومة في تاريخ المدينة والإقليم

تاريخ الفاشر مرتبط على نحو وثيق بدارفور؛ فالأولى مدينة، بينما الثانية إقليم تاريخي يسبق في وجوده السودان الحديث، ويمتد تاريخ دارفور عميقا في إرث وادي النيل، وهي حقيقة لا تغيب عن الوعي السوداني.

على الرغم من أن كثيرا من الدراسات التي تناولت دارفور تركز على تاريخها الحديث، فإن الصلات الأقدم بين دارفور ووادي النيل والحضارة النوبية لا تزال من المجالات التي لم تحظ بالبحث الكافي، وقد أسهمت عوائق عديدة، من بينها الصراعات والحروب المتواصلة ومحدودية التمويل، في الحد من أعمال التنقيب الأثري في مواقع تاريخية مهمة، ولا سيما في منطقة وادي هور، المعروف أيضا باسم “النيل الأصفر”.

وكان “النيل الأصفر” أحد روافد نهر النيل، ينبع من تشاد ويجري لمسافة تقارب 1100 كيلومتر قبل أن يلتقي بالنيل شمال دنقلا القديمة خلال الفترة المطيرة الأفريقية (9500-4500 سنة مضت). ووفقا للأبحاث التي نشرها صغيرون وآخرون (2010)، وكذلك الدراسات التي نشرها كروبيلين وآخرون في مجلة “ساينس” “Science” عام 1987، فقد سكن هذه المنطقة رعاة الماشية، كما شكلت مركزا تجاريا مهما للممالك النوبية، رابطا بين وسط أفريقيا وغربها من جهة ووادي النيل من جهة أخرى.

وفي هذا السياق التاريخي نشأ اسم “السودان”؛ بمعنى “أرض السود”، وهو اسم كان يشمل تاريخيا أجزاء واسعة من غرب أفريقيا.

وتشير نتائج فحوص الحمض النووي الحديثة لبعض قبائل دارفور، مثل البرتي والميدوب والزغاوة، إلى أصولها المرتبطة بشمال شرق السودان، بما يوحي بأنها تنحدر من النوبيين الذين أسسوا مملكة كوش. ومن خلال تتبع روافد النيل، تحرك النوبيون شمالا نحو مصر، وشرقا نحو إثيوبيا والصومال، وجنوبا نحو جبال النوبة، وغربا نحو دارفور.

غير أن التاريخ الاستعماري شوه هذه الحقائق، إذ ألحق تاريخ السودان بالتاريخ المصري، وهمش وجود الحضارة النوبية بوصفها حضارة مستقلة. ومع ذلك، قدم بعض المؤرخين أدلة أرشيفية تشير إلى أن الحضارة النوبية، التي نشأت في السودان، تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، كما ظلت الأهرامات شاهدا على الرقي الثقافي والفني الذي بلغه النوبيون؛ قبل أن يمتد تأثيرهم إلى الثقافة المصرية.

لقد كتب تاريخ السودان من خلال عدسة استعمارية؛ ركزت بصورة غير متناسبة على وادي النيل، ولم تبد اهتماما كافيا بدراسة نشأة الأقاليم السودانية الأخرى وتطورها وحقوقها التاريخية، وأسهمت هذه السردية التاريخية المشوهة في تهميش إسهام دارفور في الحضارة القديمة؛ وهو إسهام جرى حجبه ومصادرته عمدا من قبل السلطة الاستعمارية البريطانية خدمة لمصالحها الإدارية والأيديولوجية.

ومن هذا المنظور، فإن محنة الفاشر اليوم تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في السرديات السائدة حول الحضارة النوبية، فهذه الحضارة نشأت في السودان، ثم امتدت موجاتها شمالا نحو مصر.

وتوجد، بحسب الكاتب، شواهد كثيرة تدعم الرأي القائل إن الفراعنة ارتبطوا تاريخيا بالأرض النوبية، وعندما كان الفراعنة يتحدثون عن الأنهار، فإنهم كانوا يشيرون إلى النيل وروافده الواقعة ضمن المجال النوبي.

لأجل ذلك لا يمكن اختزال أهل دارفور في السرديات المعاصرة التي تقدمهم بوصفهم ضحايا فحسب؛ بل هم ورثة حضارة عرفت بالصمود والإبداع والذكاء وروح المبادرة، كما أن تاريخهم بوصفهم محاربين وأصحاب حنكة سياسية؛ يقف على النقيض من التصورات الاستعمارية التي وصمت الهوية الأفريقية بالبدائية والخطر.

لقد ظل هذا الرصيد الاجتماعي الغني هو السر وراء صمود الفاشر في مواجهة القصف وهجمات المليشيات؛ فقد تمكنت المدينة حتى من صد أكثر من 280 هجوما منسقا شنته المليشيات، بما في ذلك اعتداءات طالت النازحين في مخيمي زمزم وأبو شوك.

إن محنة الفاشر اليوم تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في السرديات السائدة حول الحضارة النوبية، فهذه الحضارة نشأت في السودان، ثم امتدت موجاتها شمالا نحو مصر

أصبحت الفاشر منطقة مشتعلة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها المليشيا، أو ما يعرف بقوات الدعم السريع، في 15 أبريل/نيسان 2023. وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت هذه القوات تعمل على تعزيز نفوذها في دارفور عبر استقطاب بعض قادة الحركات المسلحة وإغراء الزعماء القبليين.

وعبر القصف العشوائي أجبر سكان شرق المدينة وجنوبها على الانتقال إلى مخيمات أبو زريقة وقوس باينا وزمزم، غير أن مخيم زمزم نفسه تعرض لهجوم في أبريل/نيسان 2024، أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى وتشريد أكثر من 400 ألف شخص، وكان هذا المخيم يشكل حاجزا واقيا للجزء الجنوبي من الفاشر، كما كان يشكل شريانا حيويا لإمداد المدينة بالغذاء والوقود.

وبعد تدميره، أصبحت الفاشر محاصرة بالكامل وتتعرض لهجمات يومية، وقد تفاقمت المجاعة وانتشرت الأمراض، وأصبح الوضع الإنساني بالغ القسوة إلى درجة يصعب الإحاطة بها. وتبقى الحاجة ملحة إلى نداء إنساني عاجل لإنقاذ الأرواح وفتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين. فالمدينة تعيش حصارا مستمرا منذ نحو 500 يوم، ورغم ذلك يواصل الجيش وحلفاؤه الدفاع عنها بإصرار شديد.

وهنا نتذكر صمود أهل دارفور وخاصة الشباب الذين استبسلوا دفاعا عن المدينة، ولولا سوء تقديرات بعض قادة الحركات وبطء تحرك قيادة الجيش لنجدة الفاشر لأمكن إنقاذ كثير من الأرواح. وقد حاولت المليشيات اقتحام المدينة أكثر من 280 مرة بدرجات متفاوتة من العنف، فيما ربط داعموها الاعتراف السياسي بتقسيم السودان على النموذج الليبي بقدرتهم على السيطرة على الفاشر وإعلانها عاصمة لكيانهم.

وتواصل المليشيات ارتكاب انتهاكات جسيمة، ينظر إليها على أنها ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، على نحو مشابه لما حدث في الجنينة ضد قبيلة المساليت، حيث قتل أكثر من 15 ألف شخص بدم بارد. ورغم جسامة هذه الانتهاكات، فإن استجابة المجتمع الدولي ظلت في معظمها في حدود التصريحات الشكلية دون إجراءات فعلية ملموسة.

إن قصر السلطان علي دينار والجامع الكبير ليسا مجرد معالم من الماضي، بل هما رمزان لاحتمال مستقبل تعيد فيه الثقافة والتاريخ تشكيل معنى الصمود والتعايش في مواجهة العنف والدمار

معالم تكاد تفقد ملامحها

وبالتوازي مع هذه الأزمة الإنسانية، يواجه التراث الثقافي والتاريخي للفاشر خطرا متزايدا. ومن أبرز المواقع الثقافية المهددة: قصر السلطان علي دينار والجامع الكبير بالفاشر (المسجد الكبير). ويقع القصر على مرتفع يطل على الوادي، ما يمنحه رؤية بانورامية لمركز المدينة ومآذن الجامع الكبير في الأسفل. ويعد القصر مثالا بارزا على العمارة الدارفورية، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية للمنطقة.

أما الجامع، فقد كان يشكل فضاء مركزيا يعزز من خلاله السلطان سلطته، بوصفه قائدا دينيا وسياسيا في آن واحد. وكان أيضا موقعا رمزيا لمراقبة المجال السياسي والاجتماعي، حيث كان يتوقع من الجميع أداء الصلاة إلى جانب السلطان، سواء بدافع الطاعة أو طلبا للنفوذ والقرب.

وقد تعرضت هذه المعالم، وما يحيط بها، لتهديدات متزايدة بفعل الصراع وعدم الاستقرار، مما جعلها في دائرة الخطر المباشر. وهي لا تمثل مجرد بقايا تاريخية، بل مفاتيح أساسية لفهم التاريخ الثقافي والسياسي للفاشر ودارفور ككل.

وتشير أعمال فنية ونصوص شعرية تعود إلى نزاعات سابقة في دارفور إلى حضور موضوعات التهجير والهوية والبقاء، غير أن تجدد الصراع الحالي، وما خلفه من دمار طال أجزاء واسعة من الفاشر بما في ذلك الجامع الكبير، يفرض الحاجة إلى جهود متجددة من قبل الفنانين والمبادرات الدولية والمنظمات غير الحكومية المعنية بالتراث السوداني، لإبراز حجم الدمار والمعاناة، وكذلك أشكال المقاومة الثقافية التي تبديها المدينة.

إن التحديات التي تواجهها الفاشر سواء عبر المواجهات العسكرية، أو الأزمات الإنسانية، أو التهديدات التي تطال مواقعها التاريخية تؤكد الحاجة الملحة إلى عمل جماعي منسق. إذ ينبغي للمجتمعات المحلية والفنانين السودانيين والمنظمات الدولية أن تتكاتف من أجل حماية هذا الإرث الفريد.

إن قصر السلطان علي دينار والجامع الكبير ليسا مجرد معالم من الماضي، بل هما رمزان لاحتمال مستقبل تعيد فيه الثقافة والتاريخ تشكيل معنى الصمود والتعايش في مواجهة العنف والدمار، ومع استمرار الحصار الذي تتعرض له الفاشر، وسقوطها على يد المليشيا، يظل أهلها مجسدين لروح السودان التي لا تنكسر. فشجاعتهم تذكرنا بأن الصمود والوحدة قادران، حتى في أحلك اللحظات، على أن يفرضا حضورهما.
ختاما

إن أولئك الذين يأتون بالدمار يبدو أنهم لم يزوروا هذه المدينة قط، ولم يدركوا جمالها، ولا عمق الحياة في قلبها. فلتكن قصة الفاشر، وقصة والدي وجيراني وأقاربي -وهم أناس مسالمون لم يطلبوا سوى أن يعيشوا ويعملوا ويربوا أبناءهم في سلام- درسا تحذيريا من جهة، وإلهاما من جهة أخرى، يدفعنا إلى الدفاع عن العدالة والحماية وصون إرث لا يخص السودان وحده، بل يتجاوزه إلى الإنسانية جمعاء.

وأستعير هنا عنوانا شعريا كثيرا ما يطلق على المدن ذات الثقل التاريخي والثقافي؛ فأسمي الفاشر “أم المدائن”، هذه المدينة التي أنجبت الكثيرين، ورعتهم طويلا، يا ترى من الذي سيحميها اليوم ويعيد مجدها؟!

Exit mobile version