عثمان عكرة يكتب: اتجاهات جديدة… الحوار الوطني: هل من انفراجة ام غتامة المواقف

اتجاهات جديدة… الحوار الوطني: هل من انفراجة ام غتامة المواقف
لماذا الإقصاء؟
عثمان شيخ الدين عكرة
كلما اقترب السودان من لحظة حوار وطني جديدة، عاد السؤال القديم نفسه: لماذا نختلف على من يدخل الحوار قبل أن نختلف على ماذا نريد منه؟
المفارقة أن ثقافة الإقصاء في السياسة السودانية ليست وليدة اليوم. هي جزء من تاريخ طويل تشكلت فيه السياسة السودانية تحت تأثيرات داخلية وخارجية متشابكة، وكان السودان منذ استقلاله مسرحاً لتنافس دولي على موقعه وموارده واتجاهاته السياسية.
عثمان عكرة يكتب: الحوار «بمن حضر».. أين تكمن الكارثة؟
ولعل من المفيد أن نعود إلى عام 1957، بعد عام واحد فقط من استقلال السودان، عندما زار نائب الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون الخرطوم في 13 مارس. لم تكن الزيارة بروتوكولية فقط؛ فالوثائق الأميركية تكشف أن واشنطن كانت تنظر إلى السودان الجديد باعتباره دولة مهمة في حساباتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وكان من أهدافها المعلنة دعم استقلال السودان، تشجيع قيام حكومات مستقرة وصديقة للغرب، ومنع التغلغل السوفيتي، مع التعامل بحذر شديد مع النفوذ المصري.
وفي الخرطوم، دارت مباحثات نيكسون مع رئيس الوزراء عبدالله خليل ووزير الخارجية محمد أحمد محجوب حول ملفات متعددة، في مقدمتها المساعدات والتنمية الاقتصادية، الشيوعية، علاقة السودان بأفريقيا، ومياه النيل. وكان الاقتصاد حاضراً بقوة؛ فالسودان كان يبحث عن تمويل لمشروعات التنمية، فيما كانت واشنطن تشجع توسيع التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.
كان السودان يومها دولة فتية، يملك الأرض والمياه والثروة الزراعية والموقع الجغرافي، وكانت القوى الكبرى ترى فيه بلداً واعداً. وتكشف وثائق أميركية لاحقة من العام نفسه عن اهتمام واضح بالموارد الزراعية والطبيعية السودانية، وتنويع الاقتصاد، وتحسين النقل والاتصالات، وتشجيع الاستثمار الأميركي في السودان.
لكن الاقتصاد لم يكن منفصلاً عن السياسة.
فالولايات المتحدة كانت تخوض الحرب الباردة، وكانت ترى أن إضعاف الشيوعية لا يكون فقط بالمواجهة الأمنية، وإنما أيضاً عبر بناء حكومات مستقرة، واقتصاد قادر على إنتاج الرضا الاجتماعي، ونخب سياسية وفنية تميل إلى الغرب. وفي المقابل، كان السودان يحاول أن يجد لنفسه طريقاً مستقلاً بين النفوذ المصري، والغرب، والاتحاد السوفيتي، مع تمسكه بما سمي آنذاك «الحياد الإيجابي».
واشنطن تخشى أن يؤدي النفوذ المصري إلى دفع السودان نحو خيارات تتعارض مع المصالح الغربية، ولذلك شجعت على استقلال القرار السوداني عن القاهرة، وفي الوقت نفسه كانت ترى أن العلاقة مع مصر يجب ألا تتحول إلى قطيعة.
أي نموذج اقتصادي نريد؟
ما علاقتنا بمصر؟
ما موقعنا من الشرق والغرب؟
وكيف نحافظ على استقلالنا دون أن يتحول الاختلاف السياسي إلى إقصاء؟
وهذه الأسئلة القديمة تعود اليوم، ولكن في ثوب جديد.
لذلك فإن الحديث عن الحوار الوطني باعتباره انفراجة سياسية ينبغي ألا يحجب عنا غتامة المواقف التي ما زالت تحيط به. فالانفراجة الحقيقية لا تكون بمجرد فتح قاعة للحوار، وإنما بفتح المجال السياسي نفسه أمام المختلفين.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:
لماذا الإقصاء؟
إذا كنا قد تعلمنا من تاريخنا أن السودان كان دائماً عرضة للتدخلات والتجاذبات، فلماذا نعيد إنتاج المنطق ذاته داخل البيت السوداني؟ لماذا نقرر مسبقاً أن هذا الطرف وطني، وذاك غير وطني؟ وأن هذه المجموعة تصلح للحوار، بينما تُغلق الأبواب أمام أخرى؟
الحوار الوطني الذي يبدأ بتحديد من يحق له الكلام قد ينتهي إلى مجرد إعادة توزيع للمقاعد، لا إلى إعادة بناء للدولة.
أما الحوار الذي يعترف بتعدد السودان، وباختلاف رؤاه ومصالحه ومخاوفه، فقد يكون بداية حقيقية للخروج من الحلقة التي ظل السودان يدور فيها منذ الاستقلال:
إقصاء… ثم صراع… ثم تسوية… ثم إقصاء جديد.







