أبشر حسين يكتب: أحمد الحنّان… من ملاعب الصبا إلى مجالس العلم

أحمد الحنّان… من ملاعب الصبا إلى مجالس العلم

أبشر حسين

أحمد الحنّان، سليل أسرة الحنّان وأسرة بريمة، أصغر مني عمرًا، لكنه من أبناء جيلي ، نشأنا معًا في حي الصابرين، ذلك الحي الذي لم يكن بالنسبة لنا مجرد بيوت وشوارع، وإنما كان عالمًا كاملًا؛ فيه لعبنا، ودرسنا، وفرحنا، واختلفنا وتصالحنا، ومنه خرجت صداقات ظلت معنا حتى اليوم.

أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة

أذكر أخاه محمد الحنّان فقد كان من أميز لعيبة خط الوسط في فريق أبو عنجة. كان حريفًا، سريع البديهة، يعرف كيف يتعامل مع الكرة، وكنت ألعب في نفس الخانة، ولذلك كان بيننا تنافس جميل. وكانت خانة الوسط في ذلك الزمن «مذدحمة» باللعيبة الحريفين، وعلى رأسهم عبد المنعم وصلاح جلحو، ولذلك لم يكن من السهل أن تجد لك مكانًا ثابتًا فيها!

لكن أجمل ما في تلك المنافسة أنها كانت منافسة أبناء الحي؛ لا تحمل إلا المحبة والاحترام، وتنتهي بانتهاء المباراة، بينما تبقى الأخوة والمودة.
وأسرة الحنّان من الأسر التي ارتبط اسمها عندي بالأدب وحسن الخلق واحترام الناس. محمد وأحمد ومؤمن ومنتصر، جميعهم عرفت فيهم ذلك الأدب السوداني الأصيل؛ احترام الكبير، ومراعاة الصغير، وحسن التعامل مع الناس، وهي صفات لم تكن مستغربة في ذلك الزمن، فقد كانت جزءًا من تربية أبناء الحي وأسرهم.
كان شباب الصابرين يعيشون في ذلك الوقت كأنهم أسرة واحدة. بعد المدرسة في الصباح، تبدأ حياة أخرى في العصر. ونحن صغار كان تجمعنا في خور أبو عنجة؛ وهناك كانت الكرة واللعب والجري والضحك، وحكايات لا تنتهي. وبعد أن كبرنا أصبح ميدان قلب الأسد هو ملتقانا.
ثم نتفرق مجموعات للمذاكرة؛ فتلك فى بيت فلان، وتلك مجموعة في بيت آخر، وكل واحد يساعد الآخر. لم تكن المنافسة في كرة القدم وحدها، وإنما كانت هناك منافسة في الدراسة أيضًا، ولكنها منافسة محبة وتشجيع، لا حسد فيها ولا ضغينة.
وفي المساء نذهب إلى سوق الموردة للعشاء الجماعي. كانت تلك الحياة بسيطة جدًا، لكنها كانت مليئة بالونس. وأحيانًا ندخل سينما بانت، وأيام الخميس كانت حفلات الأعراس تجمعنا، أما أيام الجمعة فكانت لها جلساتها الخاصة، ومن بينها جلسات الكوتشينة.
هكذا كان يومنا يمضي بين الدراسة والرياضة والونسة والعشاء والسينما والأعراس، وبين كل ذلك كانت تتشكل العلاقات دون أن نشعر. كنا نكبر معًا، ونتعرف على بعضنا أكثر، ونعرف أهل بعضنا وبيوتهم، حتى أصبح أبناء الحي بالنسبة لنا أكثر من مجرد جيران؛ أصبحنا إخوة بالمعاشرة والمحبة.
ومن خلال هذا الحراك الاجتماعي الجميل توطدت علاقتي بأسرة الحنّان وأسرة بريمة، ولكن علاقتي بأحمد الحنّان أخذت منحى آخر وأكثر عمقًا عندما جمعنا الحراك الديني وطلب العلم.
ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي، اجتمعنا في دروس الفقه مع الشيخ بشير محمد أحمد، ثم مع الشيخ عبد الخيرات. وما زلت أذكر ذهابنا إلى أمبدة كدارى، وكانت الرحلة نفسها جزءًا من الذكرى؛ نذهب معنا الدكتور سامي عمر هارون، وعبد الله أبو سليم، والأخوين مدثر وعثمان أحمد إبراهيم، رحمهما الله.
ولم تكن تلك دروسًا عابرة نذهب إليها ثم ننصرف، وإنما كانت رحلة طويلة في طلب العلم استمرت سنوات. درسنا خلالها قطر الندى، والتوحيد للشيخ إبراهيم، وفقه العشماوية، وأقرب المسالك، والرسالة.
واليوم، عندما أتذكر تلك الأيام، أجد أن الكتب والمتون التي درسناها كانت جانبًا واحدًا من الحكاية؛ أما الجانب الأجمل فكان الصحبة.
صحبة شباب جمعهم طلب العلم، وجمعتهم المحبة، وجمعتهم كذلك تلك الروح السودانية الجميلة التي تجعل الطريق إلى الدرس نفسه مناسبة للحديث والونسة والضحك وتبادل الأفكار. كنا نتعلم الفقه، لكننا كنا نتعلم في الوقت نفسه كيف تكون الصحبة الصالحة، وكيف تكون المحبة في الله، وكيف يمكن للعلم أن يجمع القلوب قبل أن يجمع العقول.
وهكذا امتدت علاقتي بأحمد الحنّان من الصابرين وملاعب الكرة إلى مجالس العلم والفقه؛ من أيام كنا نركض فيها خلف الكرة في خور أبو عنجة وميدان قلب الأسد، إلى أيام كنا نجلس فيها أمام الشيوخ نقرأ المتون ونناقش مسائل الفقه.
يا لها من أيام!
أيام لم تكن فيها الحياة قد ازدحمت علينا، ولم تكن المسافات قد باعدت بين الناس، وكانت البيوت مفتوحة لبعضها، والقلوب مفتوحة أكثر.
واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، ندرك أن أجمل ما تركته لنا تلك الأيام ليس فقط ما لعبناه أو ما قرأناه، وإنما الناس الذين شاركونا فيها.
فالتحية لأخي وصديقي أحمد الحنّان، والتحية لأسرة الحنّان وأسرة بريمة، ولكل أبناء الصابرين الذين كانوا جزءًا من تلك الحياة الجميلة.
سلام على تلك الأيام، وسلام على الصابرين، وسلام على الوجوه التي ما زالت حاضرة في الذاكرة، حتى وإن غابت عن العين.
فبعض الناس لا يسكنون معنا في المكان فقط… وإنما يسكنون معنا في الذاكرة والوجدان.

Exit mobile version