من غاتويك إلى الخرطوم: كيف نصنع الثروة من البنية التحتية المدمَّرة؟
إبراهيم عدلان
قصة من عدة اجزاء
قصة مستثمر رأى في مطار متعثر فرصةً… وما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من التجربة؟
في عالم الاستثمار، هناك فرق كبير بين أن تمتلك المال وأن تمتلك الرؤية.
المال يستطيع شراء الأصول، لكنه لا يستطيع وحده اكتشاف القيمة المختبئة داخل أصل مهمل أو متعثر. أما الرؤية الاستثمارية، فتستطيع أن تنظر إلى مطار متضرر، أو ميناء متراجع، أو خط سكة حديد مهمل، ولا ترى ما هو عليه اليوم، بل ما يمكن أن يصبح عليه غداً.
ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية
وهنا تبرز قصة بايو أوغونليسي Bayo Ogunlesi وتجربة شركة Global Infrastructure Partners – GIP، التي بدأت من الاستثمار في أصول البنية التحتية، وكان من أبرزها مطار غاتويك البريطاني، وانتهت ببناء منصة استثمارية تدير أكثر من 100 مليار دولار من أصول العملاء، قبل أن تستحوذ عليها BlackRock في صفقة ضخمة.
لكن السؤال الذي يهمنا ليس: كيف نجح أوغونليسي في بريطانيا؟
بل:
ماذا يمكن للسودان أن يتعلم من هذه التجربة؟
⸻
غاتويك… عندما يصبح الأصل المتعثر فرصة
عندما استحوذت GIP على مطار غاتويك عام 2009، لم يكن الرهان قائماً على شراء أصل مثالي.
كان الرهان على إمكانية تحويل أصل استراتيجي إلى أصل أكثر كفاءة وربحية.
وهذه نقطة جوهرية.
المستثمر الذكي لا يسأل فقط:
كم يساوي هذا الأصل الآن؟
بل يسأل:
كم يمكن أن يصبح هذا الأصل بعد خمس أو عشر أو عشرين سنة إذا أُدير بطريقة صحيحة؟
ومن هنا جاءت استراتيجية GIP في البنية التحتية: شراء أصول استراتيجية، ثم الاستثمار في تطويرها، وتحسين عملياتها، وزيادة كفاءتها، وتعظيم قدرتها على توليد الإيرادات.
لم تكن الفكرة شراء مطار فقط.
كانت الفكرة إعادة تعريف قيمة المطار.
⸻
السودان أمام فرصة تاريخية
بعد الحرب، سيواجه السودان تحدياً هائلاً في إعادة بناء بنيته التحتية.
لكن إعادة البناء، إذا تمت بالطريقة التقليدية، قد تعني ببساطة:
إعادة ما تهدم إلى الصورة التي كان عليها قبل الحرب.
وهذا في رأيي لا يكفي.
فالفرصة الحقيقية هي أن ننظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة لإعادة تصميم البنية التحتية السودانية بالكامل.
بدلاً من إعادة بناء مطار قديم، لماذا لا نبني منظومة مطارات حديثة؟
بدلاً من إعادة تشغيل الميناء بالطريقة القديمة، لماذا لا نربطه بشبكة لوجستية إقليمية؟
بدلاً من إصلاح السكك الحديدية فقط، لماذا لا نحولها إلى جزء من ممر تجاري يربط الموانئ بالداخل ودول الجوار؟
هنا ينتقل التفكير من:
إعادة الإعمار
إلى:
خلق القيمة.
⸻
مطار الخرطوم: أكثر من مطار
مطار الخرطوم يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد منشأة للطيران.
المطار الحديث هو منصة اقتصادية.
يمكن أن يجمع بين:
- نقل الركاب.
- الشحن الجوي.
- الخدمات اللوجستية.
- صيانة الطائرات.
- خدمات الطيران الأرضية.
- التموين الجوي.
- التخزين المبرد.
- المناطق الحرة.
- التجارة الإلكترونية.
- الفنادق ومراكز الأعمال.
- التدريب والتعليم في مجال الطيران.
- الصناعات المرتبطة بالطيران.
وبذلك يصبح المطار مدينة اقتصادية مصغرة، وليس مجرد بوابة لدخول وخروج المسافرين.
وهنا يمكن أن تتحول إعادة بناء مطار الخرطوم إلى مشروع استثماري طويل الأجل بدلاً من أن تكون مجرد بند إنفاق حكومي.
⸻
وماذا عن مطار بورتسودان؟
الحرب جعلت من بورتسودان مركزاً بالغ الأهمية للحركة الجوية والاقتصادية السودانية.
لكن الأهمية الجغرافية وحدها لا تكفي.
السؤال الحقيقي هو:
كيف نحول الموقع إلى قيمة اقتصادية؟
يمكن تطوير منظومة متكاملة تربط:
المطار + الميناء البحري + المنطقة الحرة + التخزين + الشحن الجوي + النقل البري + السكك الحديدية.
عندها لا يعود بورتسودان مجرد مدينة ساحلية.
بل يمكن أن يصبح مركزاً لوجستياً إقليمياً يخدم السودان ودولاً في شرق ووسط أفريقيا.
⸻
المطارات السودانية… شبكة وليست جزرًا منفصلة
السودان يمتلك مساحة جغرافية هائلة.
ومن الخطأ التعامل مع كل مطار كمشروع منفصل.
يمكن بناء شبكة وطنية للمطارات تؤدي وظائف مختلفة:
الخرطوم: مركز رئيسي للركاب والأعمال.
بورتسودان: مركز دولي ولوجستي.
الأبيض: مركز لغرب السودان.
دنقلا: مركز للشمال والسياحة والخدمات.
وادي حلفا: بوابة للنقل والتجارة مع مصر.
نيالا: مركز محتمل لغرب السودان عند استقرار الأوضاع.
وهكذا يصبح الاستثمار في المطارات جزءاً من استراتيجية اقتصادية وجغرافية وطنية.
⸻
السكك الحديدية: الثروة التي نسيناها
قصة GIP لا تتعلق بالمطارات وحدها.
أحد أهم الدروس هو النظر إلى البنية التحتية باعتبارها شبكة مترابطة.
السودان يحتاج إلى إعادة التفكير في السكك الحديدية ليس باعتبارها وسيلة نقل قديمة، وإنما باعتبارها أداة استراتيجية لنقل:
المعادن + المنتجات الزراعية + الماشية + الحاويات + الوقود + البضائع.
تخيل مثلاً ممرًا لوجستياً يبدأ من مناطق الإنتاج الزراعي والمعدني في الداخل، مروراً بمراكز التجميع، وصولاً إلى ميناء بورتسودان.
كلما انخفضت تكلفة النقل، ارتفعت قدرة المنتج السوداني على المنافسة.
وهنا يصبح الاستثمار في السكة الحديدية استثماراً في الاقتصاد نفسه.
⸻
هل يحتاج السودان إلى مليارات الدولارات؟ نعم… ولكن
إعادة بناء البنية التحتية ستحتاج إلى رأس مال ضخم.
لكن السؤال ليس فقط:
من أين تأتي الأموال؟
بل:
كيف نجعل المشروع قادراً على جذب الأموال؟
وهنا تظهر نماذج مثل:
BOT
البناء والتشغيل ثم نقل الملكية.
PPP
الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
Concession
منح حق تشغيل واستثمار أصل لفترة زمنية محددة.
Infrastructure Funds
صناديق متخصصة للاستثمار في البنية التحتية.
هذه النماذج تستطيع أن تخفف العبء عن الدولة، وتسمح بدخول رأس المال والخبرة العالمية، بشرط وجود حوكمة قوية وشفافية وعقود عادلة وحماية قانونية للاستثمار.
⸻
المشكلة ليست دائماً نقص المال
قد يكون السودان غنياً بالأصول ولكنه فقير في إدارة الأصول.
وهذه نقطة جوهرية.
مطار جيد الإدارة يمكن أن يكون مربحاً.
ومطار ممتاز الإدارة يمكن أن يكون محركاً للاقتصاد.
وميناء جيد الإدارة يمكن أن يجذب التجارة.
وسكة حديد فعالة يمكن أن تغير اقتصاد دولة بأكمله.
لذلك فإن الإصلاح المؤسسي يجب أن يسير بالتوازي مع إعادة الإعمار.
لا يمكن أن نبني بنية تحتية للقرن الحادي والعشرين بعقلية مؤسسات القرن العشرين.
⸻
من يملك الأصل؟ ومن يديره؟
وهنا يجب أن نتعلم درساً مهماً من تجارب الاستثمار العالمية.
ليس ضرورياً أن تكون الدولة هي التي تدير كل شيء.
يمكن للدولة أن تحتفظ بالملكية الاستراتيجية، بينما تتولى شركات متخصصة التشغيل والإدارة والاستثمار وفق عقود واضحة.
لكن ذلك يتطلب الفصل بين:
المالك – المنظم – المشغل – المستثمر.
وهذا الفصل مهم جداً في قطاع الطيران.
فالجهة التي تضع قواعد السلامة والرقابة لا ينبغي أن تكون هي نفسها الجهة التي تحقق الأرباح من التشغيل.
وهنا تبرز أهمية بناء مؤسسات تنظيمية قوية ومستقلة، قادرة على تطبيق معايير ICAO، وجذب المستثمرين، وحماية المصلحة العامة.
⸻
السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء المطارات… بل إلى صناعة طيران كاملة
الهدف النهائي لا ينبغي أن يكون:
فتح المطار.
بل:
بناء اقتصاد طيران.
اقتصاد يشمل:
المطارات، شركات الطيران، الشحن الجوي، الصيانة، التدريب، الخدمات الأرضية، التموين، الطيران العام، اللوجستيات، السياحة، الصناعات الجوية، التكنولوجيا والرقمنة.
وهذا الاقتصاد يمكن أن يخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
⸻
الفرصة الكبرى: السودان كمركز إقليمي
الموقع الجغرافي للسودان يمنحه ميزة لا يمكن تصنيعها أو استيرادها.
السودان يقع بين:
أفريقيا – العالم العربي – البحر الأحمر – شرق أفريقيا.
وإذا أُعيد بناء البنية التحتية بطريقة صحيحة، يمكن للسودان أن يتحول من دولة تعاني من ضعف الاتصال إلى دولة تستفيد من موقعها كجسر إقليمي.
لكن الموقع وحده لا يصنع المركز.
البنية التحتية + الأمن + الاستقرار + التشريعات + الحوكمة + الكفاءة التشغيلية هي التي تصنعه.
⸻
من غاتويك إلى الخرطوم
ربما يكون أهم درس في قصة أوغونليسي وGIP هو أن المستثمر الناجح لا يشتري الماضي.
إنه يستثمر في المستقبل.
وهذا تحديداً ما يحتاجه السودان.
لا ينبغي أن تكون رؤيتنا:
كيف نعيد السودان إلى ما كان عليه قبل أبريل 2023؟
بل يجب أن يكون السؤال:
كيف نجعل السودان في 2035 أفضل مما كان عليه في 2023؟
وإذا كان مطار متعثر في بريطانيا استطاع أن يصبح جزءاً من قصة استثمارية عالمية، فإن السودان يمتلك أصولاً أكبر بكثير، ومساحة أوسع، وموارد طبيعية ضخمة، وموقعاً استراتيجياً استثنائياً.
المطلوب ليس انتظار مستثمر يأتي لينقذنا.
المطلوب أن نصنع مشاريع قابلة للاستثمار.
مشاريع ذات دراسات جدوى حقيقية، وتدفقات نقدية واضحة، وحوكمة شفافة، ومخاطر محسوبة، وعقود عادلة.
عندها لن يكون السؤال:
من سيمول إعادة بناء السودان؟
بل:
من سيفوز بالفرصة الاستثمارية في السودان؟
وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى:
ما نراه اليوم أنقاضاً قد يراه مستثمر الغد… أصولاً بمليارات الدولارات.
فالثروة لا تُخلق دائماً من الأشياء الجديدة.
أحياناً تُخلق من إعادة اكتشاف قيمة الأشياء التي ظن الجميع أنها فقدت قيمتها.
وهذا هو الدرس الحقيقي من غاتويك.
ومن غاتويك… يبدأ السؤال عن الخرطوم.
