الناشطة حنان حسن : تخيل يا مؤمن!

كتبت الناشطة حنان حسن على صفحتها الشخصية بموقع فيسبوك :
العسكر حكموا السودان لعقود… وقمعوا وانقلبوا وحاربوا ونهبوا الدولة… لكن مشكلة السودان – حسب الرواية العجيبة ـ أن المدنيين فشلوا في بضعة أشهر!!!
تخيّل يا مؤمن…
تخيّل أن تُحاكم الديمقراطية على أخطائها… ويُعفى الاستبداد من تاريخه!!!
نحن في السودان بنخوض واحدة من أغرب المعارك الفكرية في التاريخ السياسي كله..
نحاول نقنع زول شايف إن الحكم العسكري أفضل من الحكم المدني..
نقول ليه:
الديمقراطية أحسن.
الحكم المدني أحسن.
المؤسسات المدنية أحسن.
تداول السلطة أحسن.
الجيش مكانه الثكنات..والحكومة مكانها المؤسسات المنتخبة.
فيقول ليك
لكن المدنيين فشلوا!!
طيب…
الناشطة حنان حسن تعلق على قرار البرهان بشطب البلاغات المقيدة ضد المقيمين
خلينا نقعد بهدوء ونسأل السؤال البسيط الذي يبدو أنو ضاع وسط الضجيج..
فشلوا في شنو؟ ولمدة كم؟
لأنك لو عايز تحاكم تجربة سياسية..فلا يمكن أن تحاكمها خارج الزمن الذي أُعطي لها..ولا خارج البيئة التي ورثتها..
السودان لم يدخل الحكم المدني بعد تاريخ طويل من الاستقرار الديمقراطي مثلا..
بالعكس.
الدولة السودانية الحديثة عاشت معظم تاريخها بعد الاستقلال تحت أنظمة عسكرية و شمولية..وانقلابات..وحكومات عسكرية..وحروب..وأجهزة أمنية..وتغوّل للمؤسسة العسكرية على السياسة والاقتصاد والمجتمع.
من انقلاب عبود..إلى مايو..إلى إنقاذ يونيو..ثم الانقلابات والتدخلات العسكرية المتكررة…
العسكر لم يكونوا تجربة عابرة في السودان..
العسكر كانوا النظام..
ومع ذلك..يأتيك شخص اليوم بكل الثقة الفي الدنيا ليقول:
الحكم المدني فشل..
أي حكم مدني تحديداً؟
الفترة الديمقراطية الأولى بعد الاستقلال؟
أم الفترة الديمقراطية القصيرة بعد أكتوبر؟
أم الفترة التي أعقبت الانتفاضة في 1985؟
أم الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر؟
أم الديمقراطية التي لم تُمنح أصلاً فرصة أن تولد كاملة؟
لأن ما حدث بعد ديسمبر 2019 لم يكن انتقالاً ديمقراطياً طبيعياً تُرك للمدنيين كي يحكموا ويُحاسبوا على نتائج حكمهم.
كان هناك جيش داخل الدولة..وأجهزة أمنية..واقتصاد مواز..ومؤسسات قديمة..وشبكات مصالح عمرها عقود..ودولة عميقة..وإرث ثقيل من القوانين والممارسات القمعية..واقتصاد منهك..وحروب لم تبدأ في 2019..ومؤسسات لم تُبنَ أصلاً على فكرة التداول الديمقراطي للسلطة..
التجربة الانتقالية نفسها انتهت بانقلاب عسكري في 2021. .
ثم يأتيك نفس العقل ليقول:
شايف؟ ههه
المدنيين فشلوا!
لا يا بابا
هذا ليس فشلاً مدنياً..
هذه محاكمة للديمقراطية قبل أن تُمنح فرصة كاملة.
⸻
والأغرب من ذلك كله أن الناس الذين يعددون لك مساوئ الفترة المدنية القصيرة..لا يضعون أمامها دفتر الحساب الطويل للحكم العسكري..
يتحدثون عن التضخم.
عن الفوضى.
عن ضعف الأداء.
عن الخلافات بين الأحزاب.
عن المحاصصة..
عن الوزراء.
عن بطء الإصلاح.
عن سوء الإدارة.
ممتاز.
كل هذه أخطاء حقيقية ويمكن نقدها..بل يجب نقدها وجدا..
لكن أين بقية الفاتورة؟
أين حساب عقود الحكم العسكري؟
أين الحروب التي اندلعت واستمرت تحت الأنظمة العسكرية؟
أين تفكيك المؤسسات؟
أين عسكرة الدولة؟
أين إضعاف الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني؟
أين صناعة الخوف؟
أين تحويل الدولة من مؤسسة عامة إلى شبكة ولاءات؟
أين الاقتصاد الذي ارتبط بمراكز القوة؟
أين الفساد؟
أين القوانين المقيدة للحريات؟
أين الأجهزة التي أصبحت أقوى من مؤسسات الدولة؟
أين الأجيال التي تربت على أن السياسة شغل عساكر وأن المواطن ليس له إلا التصفيق؟
وأين آثار ثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ وحدها؟
ثلاثون عاماً لم تكن مجرد ثلاثين سنة من سوء الإدارة..
كانت إعادة تشكيل كاملة للدولة والمجتمع والاقتصاد والتعليم والسياسة والعلاقات الاجتماعية.
كان نظام ارتبط بالقمع..وإضعاف المجتمع المدني..والفساد..والحروب..وبناء مليشيات ودولة أمنية ضخمة لحماية السلطة..
ثم بعد كل ذلك…
تأتي فترة مدنية قصيرة جدا..محاصرة بهذا الإرث كله..يجي مسكين او منتفع يقول:
المدنيين ديل ما نافعين..
ياخ!
المشكلة الحقيقية أن العقلية دي عمدا لا تقارن بين نظامين.
هي تقارن بين:
أسوأ لحظة في الحكم المدني
و
أفضل صورة متخيلة للحكم العسكري..مع أنها لم ولن توجد..
لا ترى العسكري عندما يقمع..
تراه عندما يحسم معركة مثلا
لا ترى الانقلاب..
لا ترى الحرب.
تراها ضرورة ولابد منها عديل
لا ترى الفساد.
تسميه هيبة دولة
لا ترى غياب المؤسسات.
تسميه دا كله لأجل الحفاظ على ال دولة
لا ترى المواطن الصامت خوفاً.
تسمي ذلك حفاظ على الأمن .
فإذا كان معيار نجاح الدولة أن يسكت الناس خوفا ..فالاستبداد ناجح.
وإذا كان معيار الاستقرار أن لا يستطيع أحد أن يعترض..فالديكتاتورية مستقرة..
وإذا كان معيار الكفاءة أن يصدر القرار من شخص واحد بلا نقاش فالانقلاب مطلوب والحرب انتصار .
لكن الدولة ما ثكنة عسكرية..
والمواطن ما جندي..
والحكومة ما غرفة عمليات..
والاستقرار الذي يحتاج إلى إلغاء الحرية كي يستمر ليس استقراراً…
إنه صمتٌ مؤقت فوق برميل بارود.
⸻
الديمقراطية ليست نظاماً سحرياً يمنع الفشل.
الديمقراطية تسمح بالفشل..نعم.
لكنها تمنحك شيئاً أهم:
إمكانية تصحيح الفشل دون إسقاط الدولة..
الحكومة المدنية السيئة يمكن إسقاطها بالانتخابات.
الوزير السيئ يمكن تغييره..
الحزب الفاشل يمكن أن يخسر..
البرلمان يمكن أن يُحل..
السياسات يمكن أن تُراجع..
الحاكم يمكن أن يذهب إلى بيته دون أن يحتاج البلد إلى دبابة .
أما في النظام الذي يجعل السلطة فوق المحاسبة..فإن خطأ الحاكم يتحول إلى خطأ دولة..وفشل النظام يتحول إلى أزمة وطن..ومعارضة السلطة تتحول إلى تهديد أمني.
ولهذا فإن الديمقراطية ليست وعداً بأن الحكام لن يخطئوا..
أبدا..
الديمقراطية وعدٌ أكثر تواضعاً وأكثر عقلانية..
أن أخطاء الحكام لن تتحول إلى قدر أبدي وعلى الشعب.
⸻
فلو عايز تقول لي:
الحكم المدني فيه فساد.
أقول ليك: نعم.
فيه خلافات.
نعم.
فيه أحزاب ضعيفة.
نعم.
فيه سوء إدارة.
نعم.
فيه ناس غير مؤهلين.
نعم.
كل ده صحيح.
لكن السؤال الذي يجب أن تسأله بعد ذلك هو:
وما البديل؟
إذا كان البديل أن نسلّم البلد مرة أخرى لمن يملك السلاح..ثم ننتظر منه أن يكون ملاكاً منزهاً عن السلطة والفساد والطموح والمصلحة…
فأنت لا تعالج مشكلة الدولة.
أنت فقط تعيد إنتاج المشكلة بالأدوات ذاتها التي صنعتها.
⸻
والأهم:
لا يمكن أن تبني ديمقراطية من خلال انتظار أن يأتيك حاكم مثالي.
الديمقراطية بُنيت أصلاً لأن البشر ليسوا ملائكة.
ولأننا لا نعرف من سيكون الحاكم القادم.
ولأن الذي نثق فيه اليوم قد يتحول غداً إلى مستبد.
ولأن أفضل ضمانة ليست صلاح الحاكم…
بل ضعف قدرته على الاستبداد.
هذه هي الفكرة التي يصعب على العقلية السلطوية استيعابها:
نحن لا نريد دولة مدنية لأن المدنيين ملائكة.
نريدها لأن العسكريين والمدنيين كلهم بشر.
والبشر عندما يمتلكون سلطة بلا رقابة..يفسدون.
لكن الديمقراطية على الأقل صنعت لنا آلية لمحاسبة الفاشل قبل أن يحوّل فشله إلى كارثة وطنية.
⸻
لذلك..وقبل أن تقول لي:
الحكم المدني فشل.
أرجوك لا تنظر إلى أسبوعين من أزمة..أو وزير فاشل..أو حكومة قصيرة العمر..
انظر إلى التاريخ كله.
اسأل:
من حكم السودان أطول؟
من امتلك السلاح؟
من امتلك أجهزة الدولة؟
من صنع الانقلابات؟
من أوقف التحولات الديمقراطية؟
من بنى الدولة العميقة؟
من جعل الجيش طرفاً في السياسة؟
ومن جعل كل انتقال ديمقراطي يبدأ تقريباً من الصفر؟
ثم بعد ذلك…
حاكم الديمقراطية.
حاكمها بكل قسوة.
أنا معك.
لكن حاكمها بميزان واحد.
لا بميزان يكبّر أخطاء المدنيين بالمجهر…
ويضع جرائم الأنظمة العسكرية تحت السجادة.
لأن أخطر شيء ليس أن يختلف السودانيون حول أفضل نظام للحكم.
الأخطر أن يصبح التاريخ نفسه انتقائياً.
أن نتذكر فوضى المدنيين…
وننسى كوارث العسكر.
نتذكر الوزير الذي فشل…
وننسى النظام الذي أفشل دولة كاملة.
نتذكر ضعف الحكومة…
وننسى من منع قيام الحكومة أصلاً.
نتذكر خلاف السياسيين…
وننسى أن بعضهم كان يتفاوض على الديمقراطية بينما كانت البنادق تقف خلف الطاولة..
⸻
السودان لا يحتاج إلى حاكم أقوى.
السودان يحتاج إلى دولة أقوى من الحاكم.
لا يحتاج إلى رجل يملك البلد.
يحتاج إلى مؤسسات تملكها الدولة.
لا يحتاج إلى جيش يحكم.
يحتاج إلى جيش يحمي الدولة التي يحكمها الشعب.
ولا يحتاج إلى ديمقراطية مثالية.
يحتاج إلى ديمقراطية تتعلم من أخطائها دون أن تنقلب عليها الدبابات.
فالديمقراطية ليست أن تختار دائماً الرجل الصحيح.
الديمقراطية هي أن تملك حق تغيير الرجل الخطأ… دون أن تحرق البلد كله معه..
وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين الدولة والسلطة.
الدولة تبقى.
الحاكم يذهب.
أما حين يصبح بقاء الحاكم أهم من بقاء الدولة…
فأنت لم تعد أمام دولة تحكمها السلطة.
أنت أمام سلطة تبتلع الدولة..
حنان حسن








